في أعقاب الحرب بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، تجد دولة الإمارات نفسها أمام بيئة إقليمية شديدة التعقيد، تتسم بإعادة تشكيل موازين القوة، وتداخل مسارات الصراع، وارتفاع مستويات عدم اليقين.
وفي ظل هذا التحول المتسارع، لم يعد التحدي الرئيسي يتمثل في مجرد التكيف مع الواقع، بل في القدرة على إعادة التموضع داخله بما يضمن الحفاظ على الاستقرار الداخلي، وتوسيع هامش الفعل الاستراتيجي في محيط إقليمي ودولي مضطرب.
لقد كشفت التطورات الأخيرة أن طبيعة التهديدات لم تعد محصورة في الأطر التقليدية المرتبطة بالجغرافيا أو القوة العسكرية المباشرة، بل أصبحت متعددة الأبعاد، تمتد إلى الفضاءات السيبرانية، وسلاسل الإمداد، والبنى التحتية الحيوية، إضافة إلى التهديدات غير المتماثلة التي تفرضها الطائرات المسيّرة والتقنيات الحديثة.
هذا التحول في طبيعة المخاطر يفرض بدوره إعادة التفكير في كيفية إدارتها، بحيث لا تقتصر على أدوات الردع التقليدية، بل تشمل بناء منظومات مرنة وقادرة على الاستجابة لتحديات مركبة ومتغيرة باستمرار.
في هذا السياق، تتجه دولة الإمارات نحو تعزيز مرونتها الاستراتيجية، باعتبارها أحد أهم عناصر القوة في بيئة غير مستقرة. وتتجلى هذه المرونة في توسيع نطاق الأدوات المتاحة، وإعادة توزيع الأولويات، بما يسمح للدولة بالحفاظ على قدرتها على المناورة دون الارتباط بمسارات جامدة أو تحالفات مغلقة.
كما يشمل ذلك تطوير مقاربات أكثر ديناميكية في التعامل مع الأزمات، تقوم على الاستباق، وسرعة التكيف، وإدارة التباينات بدل الانخراط فيها.
ولا يقتصر هذا التحول على الجانب الأمني، بل يمتد إلى طريقة إدارة العلاقات الإقليمية:؛ إذ تسعى دولة الإمارات إلى بناء مساحات حركة أوسع داخل الإقليم، عبر تقليل الانخراط في الاستقطابات الحادة، والتركيز على إدارة العلاقات بطريقة تتيح الحفاظ على التوازن دون الوقوع في ثنائية الاصطفاف. فالدولة لا تتحرك بمنطق الحياد السلبي، بل بمنطق المرونة النشطة، الذي يمنحها القدرة على إعادة التموضع وفقًا لتغير المعطيات، دون فقدان بوصلتها الاستراتيجية.
ويعكس هذا النهج إدراكًا متزايدًا بأن البيئة الإقليمية لم تعد تُدار بمنطق التحالفات الصلبة، بل بمنطق الشبكات المرنة، حيث تتغير الاصطفافات بسرعة، وتُعاد صياغة العلاقات وفقًا للمصالح المتحركة. ومن ثم، فإن القدرة على التكيف وإعادة التموضع تصبح أكثر أهمية من الثبات على مواقف تقليدية قد لا تتناسب مع طبيعة المرحلة.
كما يشير هذا التحول إلى انتقال نوعي في التفكير الاستراتيجي الإماراتي، من نموذج يركز على إدارة الاستقرار في بيئة قائمة، إلى نموذج يسعى إلى إعادة تعريف الموقع داخل منظومة إقليمية قيد التشكل. ففي عالم تتراجع فيه اليقينيات، وتتصاعد فيه التهديدات غير التقليدية، تصبح القدرة على إعادة التموضع السريع عنصرًا حاسمًا في الحفاظ على التوازن وتعزيز النفوذ.
في المحصلة، لا تبدو دولة الإمارات في موقع رد الفعل تجاه التحولات، بل في موقع الفاعل الذي يسعى إلى استيعابها وتوظيفها لصالحه. فإعادة التموضع ليست مجرد استجابة ظرفية، بل خيار استراتيجي يعكس رؤية بعيدة المدى، تقوم على المرونة، والتكيف، والاستباق.
ومن خلال هذا النهج، تعمل دولة الإمارات على ترسيخ موقعها كدولة قادرة على التعامل مع التعقيد، وتحويله إلى فرصة لإعادة تعريف دورها في بيئة إقليمية ودولية تتغير قواعدها باستمرار.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة