الإمارات تضيق الخناق على تمويل الإرهاب..نموذج دولي للضغط على شبكات حزب الله وإيران (خبراء)
لا تنظر دولة الإمارات إلى الإرهاب باعتباره فقط تهديداً أمنياً عابراً، بل تتعامل معه بوصفه منظومة متشابكة تبدأ من الفكر المتطرف وتمتد إلى شبكات التمويل والغطاء الاقتصادي واللوجستي.
فعبر رؤية ثابتة، ترتكز على أن حماية الاستقرار لا يتحقق فقط عبر المواجهة الأمنية، وإنما أيضاً عبر تجفيف المنابع التي تمنح التنظيمات المتطرفة القدرة على الحركة والتأثير، تؤكد دولة الإمارات أن معركتها ضد الإرهاب ليست ظرفية أو مرتبطة بردود فعل آنية، بل جزء من استراتيجية طويلة المدى لحماية الأمن الإقليمي والدولي، وصون المجتمعات من محاولات الفوضى وتقويض السلم والاستقرار.
والثلاثاء، أدرجت دولة الإمارات، 21 فرداً وكياناً على قائمة الإرهاب المحلية، لارتباطهم بحزب الله اللبناني، في إطار حرصها على تعزيز التعاون الدولي لمكافحة تمويل الإرهاب.
تجفيف المنابع
وتعقيبا على ذلك، قال المحلل السياسي الإماراتي وعضو المجلس الوطني الاتحادي السابق ضرار الفلاسي، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن قرار دولة الإمارات يؤكد مجدداً نهجها الثابت والحازم في مواجهة التطرف والإرهاب وتجفيف منابع تمويله، وحماية أمن المجتمعات واستقرارها من التنظيمات والكيانات التي تسعى إلى زعزعة السلمَين الإقليمي والدولي.
وأشار إلى أن القرار يأتي منسجماً مع رؤية الإمارات القائمة على أن مكافحة الإرهاب لا تقتصر على المواجهة الأمنية المباشرة، بل تشمل أيضاً ملاحقة شبكات التمويل والدعم والتحريض، وقطع الطريق أمام أي محاولات لاستغلال الأنشطة التجارية أو المالية أو الاجتماعية غطاءً لتمويل أجندات متطرفة، في رؤية تعكس إدراكاً إماراتياً عميقاً بأن استقرار المنطقة يبدأ من تفكيك البنى التي تمنح التنظيمات الإرهابية القدرة على الحركة والتأثير والاستقطاب.
كما لفت إلى أن القرار يؤكد التزام دولة الإمارات بمسؤوليتها الدولية في صون الأمن، وتعزيز التعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين لمواجهة كل ما يهدد أمن الشعوب، كما يبعث برسالة واضحة بأن دولة الإمارات ستبقى في مقدمة الدول التي تتخذ مواقف عملية وحاسمة ضد الإرهاب، بعيداً عن الشعارات، وبما يحفظ أمنها الوطني ويعزز أمن المنطقة والعالم، بحسب ضرار الفلاسي.
سياسة موازنة
واعتبر القرار خطوة مهمة في سياق السياسة الإماراتية الرصينة التي توازن بين الحزم في حماية الأمن، والالتزام بالقانون، والعمل المشترك من أجل مستقبل أكثر استقراراً وسلاماً لشعوب المنطقة.
وأكد عضو المجلس الوطني الاتحادي السابق، أن التحرك الإماراتي السريع لتجميد الأصول والعلاقات المالية خلال 24 ساعة يوجّه رسالة سياسية وأمنية بالغة الوضوح، مفادها أن دولة الإمارات لا تتعامل مع تمويل الإرهاب بوصفه ملفاً إجرائياً عادياً، بل باعتباره تهديداً مباشراً للأمن الوطني والإقليمي والدولي.
وأشار إلى أن سرعة التنفيذ تعني أن الدولة تمتلك منظومة رقابية ومصرفية قادرة على الانتقال الفوري من القرار إلى التطبيق، وأنها لا تترك هامشاً زمنياً يمكن أن تستغله الشبكات المشبوهة لنقل الأموال أو إعادة تموضعها أو إخفاء مساراتها.
كما تعكس هذه السرعة إرادة سياسية حاسمة تقوم على مبدأ الوقاية قبل المعالجة، وتؤكد أن دولة الإمارات تنظر إلى الأمن المالي باعتباره جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن الشامل، يقول الفلاسي، مشيرًا إلى أن الرسالة هنا ليست فقط لمن شملهم القرار، بل لكل من يفكر في استغلال النظام المالي أو الاقتصادي أو التجاري في تمرير أنشطة مرتبطة بالتطرف أو التنظيمات المسلحة.
انعكاسات القرار المباشرة
وأكد أن هذه الإجراءات تضرب الشبكات العابرة للحدود في أكثر نقاطها حساسية، وهي القدرة على الحركة المالية والتحويل والتغطية التجارية، مشيرًا إلى أن التنظيمات المسلحة لا تعتمد دائماً على قنوات مباشرة أو علنية، بل تستفيد من وسطاء، وشركات واجهة، وحسابات متعددة، وعلاقات تجارية تبدو في ظاهرها قانونية، ما يعني أنه عندما يتم تجميد الأصول وقطع العلاقات المالية بسرعة، فإن ذلك يربك هذه الشبكات ويفقدها القدرة على التمويل والتشغيل وإعادة التدوير.
فالأثر لا يقتصر على الأشخاص أو الكيانات المدرجة فقط، بل يمتد إلى من يتعامل معهم أو يسهّل لهم أو يوفر لهم غطاءً مالياً أو اقتصادياً، وبذلك تتحول الإجراءات إلى أداة ضغط واسعة تعيد رسم حدود المخاطر أمام المصارف والشركات والمؤسسات المالية، وتجعل أي ارتباط مشبوه عبئاً قانونياً وسمعياً ومالياً لا يمكن تجاهله، يقول الفلاسي.
دلالات القرار
وأكد أن دولة الإمارات تسعى من خلال هذه القرارات إلى بناء نموذج إقليمي أكثر صرامة في تجفيف منابع الإرهاب، مشيرًا إلى أن دولة الإمارات لا تكتفي بالإدانة السياسية أو التصنيف النظري، بل تنتقل إلى أدوات تنفيذية مباشرة تشمل الإدراج والتجميد وقطع العلاقات المالية وتعزيز الرقابة، في نموذج يبعث برسالة إلى المنطقة بأن مكافحة الإرهاب لا تكتمل إلا عندما تُحاصر شبكات التمويل والدعم اللوجستي والاقتصادي.
والأهمية هنا أن دولة الإمارات تقدم نموذجاً عملياً قابلاً للاحتذاء، يقوم على التكامل بين القرار السيادي، والأجهزة الرقابية، والقطاع المصرفي، والتعاون الدولي. فالمواجهة الحديثة للإرهاب لم تعد ميدانية فقط، بل أصبحت مواجهة معقدة ضد المال غير المشروع، والواجهات الاقتصادية، وشبكات النفوذ غير المرئية.

وحول استهداف أفراد وكيانات معاً بدلًا من الاقتصار على الأسماء التنظيمية التقليدية، قال الفلاسي، إن ذلك يعكس فهماً متقدماً لطبيعة الشبكات المرتبطة بالتنظيمات المسلحة، فهذه الشبكات لا تعمل دائماً تحت لافتة تنظيمية واضحة، بل تتحرك عبر أشخاص، وشركات، ومؤسسات، وواجهات مالية وتجارية واجتماعية، لذلك فإن الاقتصار على الأسماء التنظيمية التقليدية قد يترك مساحات للالتفاف والمناورة.
وعندما تستهدف الدولة الفرد والكيان في الوقت نفسه، فإنها تضيق المساحة بين المخطط والممول والوسيط والواجهة، مما يعني أن دولة الإمارات تتعامل مع الإرهاب كمنظومة مترابطة، لا كعنوان منفصل أو اسم تنظيمي جامد.
رسالة ردع استباقية
وأشار إلى أن القرار يحمل بعداً ردعياً واضحاً واستباقياً في الوقت نفسه، فدولة الإمارات تقول من خلال هذه الخطوة إن المنظومة المالية الخليجية ليست ساحة مفتوحة للاختراق أو التوظيف أو التمويه، وإن أي محاولة لاستخدام المؤسسات المالية أو التجارية كقنوات دعم للتنظيمات المسلحة ستواجه بإجراءات سريعة وحاسمة.
الردع هنا لا يقوم على العقوبة بعد وقوع الضرر فقط، بل على رفع كلفة المخاطرة مسبقاً، فعندما تدرك الشبكات المشبوهة أن التحرك سيكون فورياً وأن الأصول والعلاقات المالية قد تُجمّد خلال فترة وجيزة، فإن قدرتها على التخطيط والتمويه تتراجع، وتصبح البيئة المالية أقل قابلية للاستغلال، يضيف الفلاسي.
آثار إيجابية على صورة الإمارات دوليا
نقطة أخرى أشار إليها الفلاسي، مشيرًا إلى أن مثل هذه التحركات تعزز صورة الإمارات كدولة جادة في ملفات الشفافية والامتثال المالي ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مؤكدًا أن المجتمع الدولي لا ينظر فقط إلى التشريعات المكتوبة، بل إلى القدرة على التنفيذ، وسرعة الاستجابة، وفاعلية التنسيق بين المؤسسات.
وعندما تتخذ دولة الإمارات إجراءات واضحة وسريعة ضد أفراد وكيانات مرتبطة بتمويل الإرهاب، فإنها تقدم دليلاً عملياً على أن منظومتها الرقابية ليست شكلية، بل قادرة على الرصد والتدخل وفرض القيود، مما ينعكس إيجاباً على ثقة الشركاء الدوليين والمؤسسات المالية العالمية في بيئة الامتثال داخل الدولة.
وأشار إلى أن هذه الخطوات تسهم بدرجة كبيرة في حماية بيئة الاستثمار الإماراتية، لأن الاستثمار الحقيقي يحتاج إلى بيئة مالية نظيفة وشفافة ومنخفضة المخاطر، ومن خلال إجراءات التجميد والإدراج والرقابة الصارمة، تؤكد دولة الإمارات أن بيئة الاستثمار لديها محمية من الاستخدام غير المشروع، وأن الدولة لا تسمح بتحويل النشاط الاقتصادي إلى واجهة لأجندات متطرفة، مما يعزز جاذبية السوق الإماراتية على المدى الطويل.
الإمارات نموذجا عربيا
وبحسب الفلاسي، فإن الخطوة الإماراتية قد تشكل حافزاً لدول عربية أخرى لتطوير أدواتها التشريعية والرقابية في مواجهة تمويل الإرهاب، لأنها تقدم مثالاً على الربط بين القرار السياسي والتنفيذ المالي السريع.
فالدول التي تواجه تحديات مشابهة ستدرك أن مواجهة التنظيمات المسلحة لا تكون فقط عبر الحدود أو الميدان، بل عبر المصارف والشركات والتحويلات والواجهات الاقتصادية، بحسب الفلاسي.

كما أن نجاح النموذج الإماراتي في تقليل المخاطر وتعزيز الثقة الدولية قد يدفع دولاً أخرى إلى تبني معايير أكثر صرامة، سواء في تحديث قوائم الإرهاب، أو رفع كفاءة وحدات المعلومات المالية، أو إلزام القطاع المصرفي بإجراءات امتثال أكثر دقة. وهذا من شأنه أن يخلق بيئة عربية أكثر تماسكاً في مواجهة التمويل غير المشروع.
يقظة أمنية
في السياق نفسه، قال الدكتور جاسم خلفان المحلل السياسي الإماراتي، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن سرعة دولة الإمارات في التحرك لتجميد الأصول والعلاقات المالية خلال 24 ساعة، يعني أن هناك يقظة أمنية رقابية موجودة لردع كل من يخالف الأنظمة والقوانين.
وأوضح الدكتور جاسم خلفان المحلل السياسي الإماراتي، أنه إذا سميناها حربا مالية ضد الإرهاب فهي حقيقة واقعية، فالإرهاب لن يعمل بدون أموال، والأموال إذا تركت لها الأبواب مفتوحة سيستمر الإرهاب، ولكن إذا جففت المنابع سيكون الإرهاب مسيطرا عليه.

وأكد أن دولة الإمارات دائماً تقدم ما لديها من خدمات متطورة، وتشترك مع الدول الأخرى كي تجفف منابع الإرهاب، لأن المال هو الذي يسند هذا الإرهاب، فإذا تم القضاء على هذه الظاهرة أو هذه الطرق الملتوية، بلا شك يتم تجفيف منابع هذا الإرهاب.
فـ«هذه الشبكات المالية والاقتصادية العابرة للحدود إذا وجدت أن الدول يقظة وأجهزتها تستطيع أن تقبض على أفرادها وتصادر هذه الكيانات، فتتغير الخطط ويبدأ الخوف، وهذا يخدم الأمن العام في كل دولة»، بحسب الدكتور جاسم خلفان.
وحول دلالة استهداف أفراد وكيانات معًا بدلًا من الاقتصار على الأسماء التنظيمية التقليدية، أرجع خلفان ذلك إلى أن هناك من يعمل من خلال أفراد وهناك من يعمل من خلال كيانات، فلا بد من الضرب بيد من حديد على كل من يقوم بمثل هذه الأنشطة الخارجة عن القانون والمدمرة للمجتمعات والدول، مؤكدًا أن دولة الإمارات دائماً ما تكون سباقة في إيقاف أي اختراقات للمنظومات المالية الخليجية.
تنسيق رقابي ومصرفي
وأكد أن التنسيق بين الجهات الرقابية والقطاع المصرفي ضروري جداً حتى تنجح كل هذه القرارات، لأن المستهدف في ذلك القطاع المصرفي سواء كانت بنوك أو كانت شركات الصرافة؛ لأن التحويلات تتم من خلالها.
وأشار إلى أن الإجراءات الإماراتية تنعكس بشكل إيجابي على صورتها دوليا، فالجهات التي تراقب أداء الدول، ترى أن دولة الإمارات تخطو خطوات واثقة بكل الأدلة والبراهين، في إطار قانوني، مما سيجعل من بيئة الاستثمارات في الإمارات، جاذبة ومربحة.
وحول التحديات التي تواجه الدول في تعقب هذه الشبكات المالية غير التقليدية، قال إن هناك بعض التحديات، مثل: استغلال شخصيات مالية كبيرة، واستغلال ظروف خاصة، لكن الأجهزة اليقظة تستطيع أن تضع يدها على كل شيء
ضربة لأذرع إيران وبنيتها
بدوره، قال مدير مؤسسة الجيوستراتيجي للدراسات الإيرانية، إبراهيم كابان، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن إدراج أسماء وكيانات جديدة مرتبطة بحزب الله أو بالشبكات الداعمة له لا يقتصر تأثيره على الجانب القانوني أو الرمزي فقط، بل يمتد ليضرب البنية الاقتصادية غير الرسمية التي تعتمد عليها إيران وأذرعها الإقليمية في التحرك والتمويل.
فهذه الشبكات تقوم أساساً على منظومة معقدة من الوسطاء والشركات الواجهة والتحويلات العابرة للحدود، وبالتالي فإن توسيع لوائح العقوبات يؤدي إلى تضييق مساحة المناورة المالية وإضعاف القدرة على استخدام الأسواق الإقليمية كبيئة آمنة للالتفاف على العقوبات، بحسب كابان.
وأوضح أن هذه الإجراءات ترفع منسوب المخاطر أمام البنوك والشركات وحتى رجال الأعمال الذين قد يرتبطون بشكل مباشر أو غير مباشر بهذه الشبكات، ما يدفع كثيراً من المؤسسات إلى تجنب أي تعامل قد يعرّضها للعقوبات الثانوية أو للمساءلة الدولية، بشكل ينعكس تدريجياً على قدرة إيران في الحفاظ على شبكاتها الاقتصادية الإقليمية بنفس المرونة السابقة.
وحول تأثير هذا القرار على قدرة حزب الله في التحرك المالي واللوجستي خارج لبنان، قال كابان، إن أي تصعيد في ملاحقة الشبكات المالية المرتبطة بحزب الله ينعكس مباشرة على قدرته في إدارة التحويلات والتمويل والعمليات اللوجستية خارج لبنان، خصوصاً في البيئات التي كانت تعتمد على هامش من السرية أو ضعف الرقابة المالية.
فالحزب لا يتحرك فقط عبر القنوات التقليدية، بل يعتمد أيضاً على شركات نقل وصرافة وشبكات تجارية معقدة لتأمين التمويل والتحرك اللوجستي، ما يعني أنه مع اتساع دائرة التنسيق الدولي، تصبح حركة الأموال أكثر صعوبة، وتزداد كلفة الالتفاف على العقوبات، كما تتراجع قدرة هذه الشبكات على استخدام النظام المالي العالمي أو حتى الأنظمة الإقليمية المرتبطة به.
تنسيق لمكافحة أذرع إيران
وأشار إلى أن اتساع مستوى التنسيق الخليجي-الغربي يعكس انتقال ملف مواجهة النفوذ الإيراني من الإطار الأمني التقليدي إلى مسار أكثر شمولاً يعتمد على الأدوات المالية والاستخباراتية والرقابية، مؤكدًا أن هذا النوع من التنسيق يخلق بيئة أكثر تعقيداً أمام الأذرع المرتبطة بإيران، لأن قدرة هذه الجماعات كانت تعتمد في جزء منها على وجود ثغرات بين الأنظمة المالية والرقابية في المنطقة.
واعتبر أن هذه التحركات ستؤدي إلى عزل اقتصادي أوسع لشبكات إيران الإقليمية، فالتراكم المستمر للعقوبات والإجراءات المالية يهدف عملياً إلى خلق حالة من العزل التدريجي للشبكات الاقتصادية المرتبطة بإيران، ليس فقط على مستوى المؤسسات الرسمية، بل أيضاً على مستوى الشبكات غير الرسمية العابرة للحدود.
وأكد أن حزب الله يمثل بالنسبة لإيران نموذجاً مركزياً في بنية «محور النفوذ»، ما يعني أن أي نجاح في تقويض قدراته المالية أو اللوجستية قد يشجع على توسيع الضغوط نحو أذرع أخرى مرتبطة بها في المنطقة، مشيرًا إلى أن اتساع نطاق التنسيق الدولي والإقليمي يجعل من الصعب على تلك الأذرع العمل بنفس المرونة التي كانت قائمة خلال السنوات الماضية.