دولة الإمارات، تعمل منذ أكثر من خمسة عقود وفق استراتيجية أن أمن منطقة الخليج جزء لا يتجزأ من أي دولة خليجية أخرى.
هذا المنطق أكده استضافة عاصمتها أبوظبي لأول قمة خليجية في 25 مايو/أيار من عام 1981 عندما ظهرت مؤشرات لتهديد استقرار هذه الدول، وعندما غزا العرق الكويت في 1990.
وفي أحيان كثيرة، عملت دولة الإمارات على أن استتباب الأمن القومي العربي ليس رفاهية وإنما زعزعة أحد دوله مهما كانت المسافات الجغرافية متباعدة إنما هو تهديد للاستقرار العربي بأكمله، موقفها من حرب أكتوبر عام 1973 حيث كانت أول دولة عربية توقف تصدير النفط للغرب.
وفي مواقع كثيرة، عملت دولة الإمارات بهدوء ودون ضجيج نال إعجاب شقيقاتها الخليجية ومنها في اليمن؛ لأن الأمر ليس استعراضاً إعلامياً بقدر ما هو حاجة الجميع؛ ففي البحرين على سبيل المثال خلال أيام الفوضى في عام 2012. كما عملت دولة الإمارات برؤية لفتت أنظار المراقبين والخبراء في العالم من ناحية دقة التنفيذ وكثافة الإنجاز وسرعته.
كل ذلك نابع من إدراك القيادة السياسية الإماراتية أن المساس في استقرار أي دولة خليجية أو عربية لن يقتصر على تلك الدولة وإنما سيلحقها وسيمس قصة نموها الاقتصادي والاجتماعي، وربما لهذا جاء تحركها مع شقيقاتها الخليجية أثناء أحداث ما كان يعرف بـ"الربيع العربي" في مصر.
هذا المنطق الاستراتيجي المسؤول هو الذي تعدى المنطقة ليصل إلى العالم في أماكن كثيرة ومنها أزمة البوسنة والهرسك وأفغانستان وغيرها من دول العالم، لذلك كانت دولة الإمارات تتعاون مع شركائها الإقليميين والدوليين لمنع أي محاولة لتشويه الاستقرار.
الحقيقة التي ينبغي عدم تجاهلها بل التأكيد عليها هي أن مشاركة دولة الإمارات في أي عمل سياسي أو عسكري عربي أو دولي يتم وفق استدعاء من السلطة الشرعية فيها، يطلبون منها المساعدة وليس من باب التدخل في شؤون الدول. أو وفق قرارات مجلس الأمن الدولي كون دولة الإمارات عضوًا في الأمم المتحدة.
وعندما يسند إليها تكليف في تلك المشاركة، فإنها تقوم بما يحقق الهدف المحدد للمهمة بالشكل الذي يتوافق وحالة الثقة التي يعرفها المجتمع الدولي عنها، لذلك تجد شهادات دولية لحالة الموثوقية للعمل الإماراتي سواءً في اليمن أو في ملف آخر، وربما هذه الشهادة لا تقتصر عليها فقط بقدر ما تنظر إليه على أنه تتويج لطبيعة العمل الخليجي بأكمله، انطلاقاً من فكرة أن هذه الدول تعمل مع بعضها البعض واللحظة السياسية والاقتصادية هي لحظة خليجية.
وفي ظل حالة تراجع العمل العربي الجماعي تدريجياً الذي بدأ مع الانشقاق في المواقف السياسية العربية بسبب الغزو العراقي للكويت إلى أن وصل الأمر للغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وبالتالي ظهور "مشاريع سياسية" كبرى في المنطقة؛ أبرزها المشروع الإيراني، والمشروع التركي وحتى المشروع الإسرائيلي الذين كانوا يرون في العالم العربي ساحة لتحقيق مشروعاتهم السياسية فكان لا بد من وجود كتلة سياسية يوقف حالة التمدد لهذه المشاريع في الدول العربية منها في العراق واليمن.
التحالف الإماراتي-السعودي نجح في سد حالة الفراغ الأمني والسياسي العربي، واستطاع إعادة صياغة كتلة سياسية خليجية قادرة على إعادة إحياء العمل العربي بنشاط عرفت بـ"اللحظة الخليجية"، فكان هناك تحرك خليجي يستطيع إسماع الصوت العربي ورأيه للعالم في قضايا واهتمامات المنطقة، حتى أصبح هذا التحالف مرجعية في الكثير من ملفات المنطقة؛ منها الملف الإيراني والملف الفلسطيني.
بعد كل ذلك، نستطيع الاستنتاج بأن الوحدة الخليجية مستهدفة كما كان الأمر منذ أكثر من خمسة عقود مضت، ولكنها في كل مرة لم تكن تلك المحاولات تنجح، وأظنها لن تستطيع حتى في المرات القادمة، لأن هناك قناعة سياسية خليجية بأن أمن هذه الدول الست واحد، ولا يمكن تجزئته وحدوث بعض التباينات في المواقف السياسية ليست عامل في غياب هذه القناعة.
لا يقتصر الهدف من زعزعة استقرار الدول الخليجية المستفز للبعض، وإنما أيضاً من أجل خلخلة حالة التماسك السياسي والعسكري والأمني لهذه الدول من أجل اختراقها وإحداث شرخ سياسي يمثل مدخلا فيما بينها، لكن في كل مرة كانت "الوحدة" الخليجية هي جدار الصد الأول لإفشال تلك المحاولات وتدميرها.
لقد كانت محاولات شق الوحدة الخليجية في السابق تتم بمستوى دول مثل الغزو العراقي للكويت، لكن المحاولات الحالية تأتي من تنظيمات سياسية وأيديولوجية هي مستواها تنظيمياً أقل من الدولة، لكن تأثيرها السلبي على استقرار المنطقة أكبر وأخطر لأنها جزء من النسيج المجتمعي، لكنها قبلت أن تخدم أجندات خارجية.
ولأن هذه التنظيمات لديها موالون في وسائل الإعلام لها ويقومون بالتأجيج بين الشعوب وإثارة النعرات والشعارات السياسية؛ أبرزها تيارات الإسلام السياسي بمختلف انتماءاتها المذهبية وإن كان تنظيم الإخوان المسلمين هو الأكثر حضوراً في المشهد السياسي العربي والخليجي.
التباينات والاختلافات حالة موجودة بين الحكومات في العالم وحلها يتم وفق تقديرات القيادات السياسية خاصة بين الدول التي بينها مصير تاريخي ومصلحي واحد، وهنا وجب علينا التأكيد عدم السماح بمن يحاولون الاصطياد في الماء العكر لأن التماسك الخليجي حاجة للجميع في المنطقة.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة