في التجارب الدولية، لا تُقاس متانة الشراكات الاستراتيجية بغياب الاختلافات أو تباين المقاربات، بل بقدرة الدول الشريكة على إدارة تلك الاختلافات ضمن أطر مسؤولة تحفظ جوهر العلاقة وتراعي حساسية السياقات الإقليمية المحيطة بها.
ففي العلاقات التي تمتد لعقود من العمل المشترك، تصبح الثقة المتبادلة عنصراً مؤسِّساً للعلاقة أكثر أهمية عن المصالح أو التفاهمات السياسية.
ومن هذا المنطلق، يكتسب ضبط الخطاب العلني وتجنّب التصعيد الإعلامي أهمية خاصة، ليس بوصفه إجراءً شكلياً، بل باعتباره جزءاً من منطق إدارة الشراكات ذات الأبعاد الأمنية والسياسية المتشابكة.
فحين تُدار التباينات داخل قنوات التواصل والتنسيق المباشر، تبقى قابلة للمعالجة والتعديل، بينما يؤدي نقلها إلى الفضاء العام إلى تحويلها بحكم طبيعة الخطاب الجماهيري إلى سرديات تبسيطية قد لا تعكس حقيقة التعقيد الذي تتعامل معه الأطراف المعنية.
كما أن الخطاب العلني في السياقات الإقليمية الحساسة، لا يظل محصوراً في حدود الرسالة السياسية بين الدول، بل ينعكس على الفاعلين المحليين ويؤثر في قراءاتهم لموازين القوى وطبيعة العلاقة بين الشركاء، وهو ما قد يضيف أبعاداً غير مقصودة إلى المشهد ويزيد من كلفته السياسية والأمنية.
ولا يتوقف أثر الخطاب عند المستوى الرسمي فحسب، بل يمتد بطبيعته إلى الوعي الجمعي لدى الشعوب، لاسيما في العلاقات التي قامت عبر سنوات طويلة على مفاهيم القرب الاجتماعي والمصير المشترك.
فحين تُدار التباينات في إطارها التنسيقي المغلق، تبقى صورتها لدى الرأي العام مرتبطة بسياقها الطبيعي؛ اختلاف مهني قابل للاحتواء ولا يمس جوهر العلاقة. أما حين تنتقل إلى الفضاء العلني بنبرة تصعيدية أو توصيفات حادة، فإنها قد تعيد تشكيل صورة الشريك في الذاكرة الجماعية، وتُضعف رصيد الثقة المعنوية الذي تراكم عبر الزمن.
وعليه، فإن تثبيت قاعدة واضحة قوامها تجنّب الإضرار الرمزي بالشريك، والحفاظ على صورة العلاقة داخل وعي الرأي العام يمثل عنصراً أساسياً في صون الشراكات طويلة المدى، ويضمن استمرارها كإطار تعاون قادر على استيعاب التباينات دون أن يتحول إلى ساحة لخطابات متقابلة أو رسائل ذات طابع تفسيري مفتوح.
إن حماية الثقة لا تعني إنكار الخلاف أو التغاضي عن التباينات، بقدر ما تعني منح قنوات التنسيق المساحة الكافية لمعالجة القضايا المشتركة بعيدًا عن الضغوط التي قد تنتجها القراءات الإعلامية أو التفاعلات الجماهيرية. فالعلاقات التي أثبتت قدرتها على الصمود عبر محطات صعبة، تستحق أن تُدار تبايناتها بروح المسؤولية، وبما يحافظ على صورة الشراكة ويصون أسسها الرمزية قبل السياسية.
وبذلك، يبقى جوهر الشراكات الكبرى قائمًا على معادلة متوازنة:
اختلاف يمكن احتواؤه، وثقة تُصان، وخطاب يُدار بما يحفظ مكانة العلاقة ومسؤولية موقعها في المنطقة على مستوى الدول والمجتمعات معاً.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة