كنّا نأمل شيئا آخر في مستهل العام 2026، لكن الجغرافيا السياسية في جنوب الجزيرة العربية تحركت بشكل مفاجئ وصادم قد يؤثر بشكل عميق في معادلة الأمن الإقليمي..
ولأننا نعرف شيئا واحدا مؤكدا، أن العلاقات السعودية-الإماراتية هي "رافعة رئيسية لأمن الشرق الأوسط"، وأن هذه العلاقة بين البلدين الشقيقين، وهذا التحالف، يستند إلى إرث استراتيجي من التنسيق والتكامل، وأنه ومنذ قيام اتحاد الإمارات عام 1971، نعلم أيضا كيف تطورت العلاقة إلى شراكة مصيرية، قوامها الدفاع المشترك عن الخليج ومصالحه.
ومنذ قررت الإمارات بكل شجاعة وحزم المشاركة الصادقة الفاعلة في "عاصفة الحزم" والتي أوضحت للعالم كله، إعلانا صريحا أن أمن السعودية هو العمق الاستراتيجي للإمارات، وأن الخليج يتحرك كتلة واحدة حين تمس التحديات أركانه.
بالنسبة لي، فإن فلسفة كيسنجر حول الانفصال بين الانفعال والنظام الجيوسياسي تفسر ثبات التحالف السعودي الإماراتي المتين (في العمق)، وبدون أدنى شك، ومهما بدا لكم عكس ذلك، فالقيادة الخليجية تدرك أن التحالفات التي تنشأ من رحم المصالح العميقة والدماء المشتركة في الجبهات تمتلك حصانة كاملة أمام أي ضجيج إعلامي أو توترات مؤقتة.
وبالطبع، فإن هنري كيسنجر ليس المرجع الوحيد لفهم هذا التحول؛ فواقعية "هانز مورغانثاو" تضيف تفسيرا أعمق. وفقا لرؤيته، فإن التوافق الجيوسياسي بين الإمارات والسعودية يشكّل مصيرا استراتيجيا مشتركا، وكل دولة منهما، قادرة على حماية المصالح العليا المشتركة وتحصين التحالف ضد التأثيرات الظرفية لبناء استقرار لا يرتجف أمام الحملات الإعلامية الموجهة او التي لا تعي ما تفعل.
التاريخ السياسي يمنحنا نماذج ملهمة؛ فبعد حرب 1812، فكرت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا ماذا تفعلان في تلك الأزمة المعقدة؟ هل يعودان للتحدي الأخرق الذي سيقضي على الطرفين ويستنزفهما؟ لا ، بل رفعت الدولتان علاقتهما إلى شراكة استراتيجية صمدت قرونا، وهذا طبيعي لكل من يستثمر في الصلح والسلام والتحسين، كذلك الأمر في أوروبا، حيث تمكن بسمارك من تحويل العداء البروسي-البافاري إلى نواة لوحدة ألمانية صلبة، كل هذا يؤكد أن المصير المشترك يبنى من فوق الجراح، وليس من خلالها.
لن أمتدح نفسي، ولكن منذ العام 2017، وكما تعلمون جميعا، وأنا أمسك بقلمي كشاهدٍ ومساهمٍ في رصد وتحليل المسار السياسي في المنطقة، وقد خصصت مساحةً من كتاباتي لقضية رأيتها عادلةً ومغيّبة وهي قضية الشعب الجنوبي وحقه في تقرير مصيره، وكانت آنذاك ولادة المجلس الانتقالي الجنوبي نقطة تحولٍ تاريخية، وقفتُ عندها ككاتبةٍ مؤمنةٍ بحق الشعوب في استعادة كيانها، فدعَّمتُ مسيرته ودوَّنتُ تطوراته، وكان اتفاق الرياض علامةً مضيئةً على طريق الحل، فحافظتُ على الكتابة اليومية الداعية إلى دعمه وتفعيله، ومطالبةً المجتمع الدولي بتحمُّل مسؤولياته تجاه شعبٍ عانى عقوداً من الإقصاء والقهر.
لكنني، وبكل وضوح، أؤكد أن ما أكتبه ليس محض انحيازٍ عاطفي أو مجرد "مطالبات" شخصية أتبناها. إنما هو توثيقٌ وانعكاسٌ لحقٍ تاريخي وقانوني مشروع، ثبتت أركانه بانهيار الاتفاقية الطوعية للوحدة عام 1990 بعد اجتياح 1994، قلمي لم يخلق هذا الحق، بل هو يسعى لإضاءته ورفع الظلم عنه، ومشاركتي هي شهادة قلمية على معاناة شعب وعدالة قضيته، والتزامٌ راسخٌ بأن استعادة الدولة الجنوبية هو استرداد لشرعية سُلبَت وإعادة بناء لعدالة تاريخية. وسأبقى أكتب حتى يتحرّر الجنوب ويعود كياناً مستقلاً ذا سيادة، لأن صوت الحقيقة لا يعرف الصمت.
بالطبع الواقع الأمني مؤلم جدا هذه الأيام، فالجنوب العربي يواجه حاليا هجوما مستمرا من المليشيات الإخوانية الإرهابية، وهذه الهجمات العنيفة، والتي كان يفترض فيها أن توجه منذ 10 سنوات إلى الحوثي الإرهابي المدعوم من إيران والذي يحتل صنعاء، سوف تزيد الشرخ، حيث سمعنا عن إصابات في المدنيين العزل والأبرياء والبنية التحتية.. ماذا يحدث؟
الحل الوحيد العادل يكمن في إعادة تعريف اليمن كدولتين متجاورتين متكاملتين، بناءً على الخصوصية التاريخية والهوية السياسية لكل شطر، فخيار "الدولتين" لا يعني انقساما، بل يشكّل ركيزة للاستقرار، ويمنح الخليج شريكين سياديين قادرين على حماية المصالح، وإدارة الموارد، وتأمين الحدود. من خلال هذا النموذج، يمكن خلق شبكة أمن إقليمي جديدة تُدار من داخل المنطقة، وتضع حدا لتدخلات القوى الخارجية.
المجلس الانتقالي الجنوبي بات مركزا لهذا المشروع. رؤيته متكاملة، مؤسساته تتطور بثبات، والاعتراف الإقليمي والدولي يتسارع في إدراك خصوصية الحالة، اتفاق الرياض شكّل حجر أساس لهذا المسار، وأسّس لعلاقة وظيفية بين المجلس والشرعية، ضمن معادلة انتقالية تتطور نحو تمثيل سياسي دولي منفصل ضمن صيغة عقلانية تراعي المعادلات الخليجية وتحاكي متطلبات الأمم المتحدة.
في الميدان، تتقدم الدولة الجنوبية كحقيقة، وترسم حدود السيادة، والمظاهرات الشعبية تشكّل استفتاءً دائما على المشروع. في المقابل، يتراجع الحوثي، ويجد نفسه محاصرا بحائط سياسي وعسكري يزداد صلابة.
التحدي الحقيقي هو ضبط الإيقاع بين دعم الجنوب والحفاظ على تماسك التحالف الخليجي. هذا التوازن يمكن تحقيقه من خلال خارطة طريق تدريجية، تبدأ بالتمثيل الأممي، وتستكمل بالإعمار، وتُتوَّج بالاعتراف الرسمي الكامل. الجنوب يمسك اليوم بمفاتيح المعادلة: سيطرة ميدانية، إجماع شعبي، شرعية قانونية، وتأييد إقليمي هادئ. ومن هذا الموقع، يمكنه أن يرسم مستقبله، ويُؤسّس لدولة جنوبية كاملة السيادة تندمج في النظام العربي والعالمي كحليف موثوق.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة