في خضم السجالات السياسية حول أدوار الفاعلين الإقليميين في أزمات المنطقة، كثيرًا ما تطغى السرديات الدعائية على التحليل الهادئ، وتتحول القضايا المعقدة إلى اتهامات مبسطة تفتقر إلى السياق.
ومن بين هذه الاتهامات رواية مضللة تُروَّج هذه الأيام بطريقة ممنهجة، تزعم أن الإمارات تسهم في زعزعة الاستقرار أو تدعم نزعات انفصالية في دول مثل السودان واليمن. غير أن هذا الطرح، عند فحصه بميزان العقل والوقائع والتجربة، يبدو أقرب إلى قلب الحقيقة منه إلى توصيفها.
يقال إن السؤال الخطأ يقود إلى إجابة خاطئة، والسؤال الصحيح هنا هو: هل الخطر الذي تواجهه المنطقة يتمثل فعلًا في النزعات الانفصالية، أم في الحركات الدينية المتطرفة وما تفرزه من عنف وإرهاب؟
الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن الخطر الحقيقي الذي يواجه دول المنطقة اليوم لا يتمثل في النزعات الانفصالية بوصفها ظاهرة مستقلة، بل في التطرف والإسلام السياسي وما يخلّفه من عنف منظم، وتآكل للشرعية، وانهيار لفكرة الدولة الوطنية.
فهذه التيارات، بحكم بنيتها الأيديولوجية العابرة للحدود، لا تنطلق من إيمان راسخ بالدولة القطرية كإطار نهائي، بل تتعامل معها كأداة مرحلية أو كعائق أمام مشروع أوسع، وهو ما جعلها تاريخيًا من أبرز مصادر عدم الاستقرار والانقسام في المنطقة.
في السودان، تتجلى هذه الحقيقة بوضوح لا يخطئه النظر. فالأزمة السودانية لم تنشأ بفعل تدخلات خارجية، بل هي نتاج مسار طويل من هيمنة خطاب أيديولوجي احتكر الدولة، وأدار التنوع بعقلية الإقصاء، وحوّل مؤسسات الحكم إلى أدوات صراع سياسي.
وتجربة انفصال جنوب السودان تمثل المثال الأبرز على ذلك؛ إذ لم يكن الانفصال نتيجة تدخلات إقليمية أو دعم خارجي لحركات انفصالية، بل ثمرة مباشرة لفشل مشروع الإسلام السياسي في بناء دولة جامعة قادرة على استيعاب تعددها الاجتماعي والثقافي.
لقد كان الانفصال نتيجة طبيعية لسياسات مؤدلجة فضّلت الحسم الأيديولوجي على التوافق الوطني.
ومن هذا المنظور، يتضح أن الاتهامات التي تُروَّج ضد الإمارات تمثل قراءة معكوسة للواقع. فالموقف الإماراتي، في جوهره، ينطلق من أولوية تحصين الدولة ومنع اختطافها من قبل قوى متطرفة لا تؤمن بها أصلًا. ودعم الاستقرار وبناء مؤسسات قادرة على الصمود لا يعني الوقوف ضد الدول، بل الوقوف معها ضد مشاريع أثبتت التجربة أنها لا تنتج إلا دولًا هشة أو ساحات مفتوحة للفوضى.
وفي اليمن، تبرز هذه المقاربة بصورة أكثر عملية. ففي بلد أنهكته الحرب، وتداخلت فيه الصراعات السياسية مع نشاط التنظيمات الإرهابية، لعبت الإمارات دورًا محوريًا في مواجهة الجماعات المتطرفة، وعلى رأسها تنظيم القاعدة.
هذه الجهود لم تكن مجرد خطاب سياسي، بل تحركات ميدانية أفضت إلى تقليص نفوذ التنظيم في مناطق استراتيجية، وتأمين مساحات كانت تشكل تهديدًا مباشرًا للأمن المحلي والإقليمي والدولي. ومن الصعب التوفيق بين هذه الوقائع وبين الروايات التي تتهم دولة الإمارات.
أما مسألة الانفصال، التي تُستخدم كثيرًا كأداة اتهام، فهي تحتاج إلى قدر أكبر من الدقة. فالانفصال لا ينشأ في الفراغ، بل يكون غالبًا نتيجة لفشل الدولة في إدارة تنوعها، أو لهيمنة أيديولوجيات شمولية تدفع مكونات المجتمع إلى البحث عن خلاص خارج إطارها.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبته هذه التيارات في تعميق الانقسامات، وتحويل الخلافات السياسية إلى صراعات وجودية انتهت عمليًا بتفكيك الدولة بدل حمايتها.
الدفاع عن الرؤية الإماراتية لا يعني الادعاء بالكمال أو إنكار التعقيدات، بل إعادة ترتيب الأولويات في النقاش العام. فالسؤال الجوهري ليس سؤال التدخلات بقدر ما هو طبيعة المشروع الذي يجري دعمه أو مواجهته.
وبين مشروع يسعى، بواقعية سياسية، إلى تحصين الدولة الوطنية ومنع سقوطها في قبضة التطرف، ومشاريع أيديولوجية تتغذى على الفوضى والانقسام، يصبح الانحياز لمنطق الدولة خيارًا عقلانيًا لا دعائيًا.
في المحصلة النهائية، لا تدور المعركة في السودان واليمن بين وحدة وانفصال بقدر ما تدور بين الاعتدال والإرهاب، والاستقامة والفساد، والتنوع والأحادية؛ إنها معركة بين منطق الدولة ومنطق اللا دولة.
وبينما يختار البعض الهروب إلى اتهامات مبسطة، تبقى الوقائع هي الحكم الأخير: من يواجه الإرهاب، ومن يستثمر فيه؛ ومن يعمل على تثبيت الاستقرار، ومن لا يجد له موطئ قدم إلا في الفوضى.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة