نحن لسنا طارئين على الجغرافيا ولا على صفحات التاريخ، ولسنا ظاهرة عابرة نشأت في فراغ.
نحن عرب أقحاح، ننتمي إلى جذور ضاربة في عمق الأرض، وإلى قبائل صنعت التاريخ وأسست الحضارة وأسهمت في تشكيل مسار الإنسانية. كانت الأمة العربية يومًا ما جغرافيا واحدة ممتدة، وهوية جامعة، وتاريخًا مشتركًا، قبل أن تعصف بها رياح الاستعمار الأجنبي الذي أعاد رسم الخرائط وقسّم الجسد الواحد إلى كيانات متعددة.
لقد أدى الاستعمار إلى تفكيك الوطن العربي وتحويله إلى دول مستقلة، حتى وصل عددها اليوم إلى اثنتين وعشرين دولة عربية. ومن هنا، يصبح من غير المنطقي ولا المقبول أن تمارس أي دولة عربية نوعًا من المزايدة على غيرها في مسألة العراقة أو الأسبقية التاريخية أو الجغرافية، فالجميع يشترك في الأصل الحضاري، وفي الامتداد الإنساني، وفي الذاكرة الجمعية. لا أحد أقدم من أحد في التاريخ العربي، ولا أحد أحق من غيره في الانتماء لهذه الأمة.
وإذا نظرنا إلى تاريخ الاستقلالات العربية، سنجد أن معظم الدول نالت استقلالها في الفترة الممتدة بين أربعينيات وسبعينيات القرن الماضي، والفوارق الزمنية بينها لا تتجاوز في الغالب عقدين من الزمن. فكيف يمكن تحويل هذا الفارق المحدود إلى معيار للتفوق أو أداة للانتقاص أو مادة للجدل العقيم؟ إن منطق التاريخ لا يُقاس بالأرقام المجردة، بل بما قدّمته الدول لشعوبها بعد الاستقلال.
الحقيقة التي يجب الاعتراف بها اليوم أن العرب لم يعودوا دولة واحدة ولا كيانًا سياسيًا موحدًا. فقد تشكّلت الدول، ورُسمت الحدود، ونشأت لكل دولة خصوصيتها من لهجة وتقاليد ونمط حياة، مع بقاء المشترك الثقافي والديني واللغوي حاضرًا بنسب متفاوتة. ما يجمع العرب كثير، لكن ما يفرقهم هو السياسة، وسوء الإدارة، والصراعات المصطنعة.
وفي هذا السياق، يصبح النجاح الحقيقي للدول العربية مرتبطًا بعوامل واضحة: مكافحة الفساد، ترسيخ دولة القانون، تولي الأكفأ للمناصب، الاستثمار في التعليم النوعي، وبناء نموذج إنساني قائم على التسامح والانفتاح. وقد نجحت دولة الإمارات العربية المتحدة في تقديم هذا النموذج بوضوح، حيث أثبتت أن الدولة العربية قادرة على تحقيق الاستقرار والازدهار حين تُدار بعقلية مؤسسية ورؤية مستقبلية.
لهذا أصبحت الإمارات اليوم نموذجًا عربيًا ناجحًا، وبيئة جاذبة للعيش والعمل، ودولة تحظى بالاحترام الإقليمي والدولي. النجاح لا يُهاجَم، ولا يُزايد عليه، بل يُدرَس وتُستفاد منه الدروس. فالأمم لا تُقاس بما تدّعيه من تاريخ، بل بما تصنعه من حاضر، وما تبنيه لمستقبل شعوبها.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة