لم تدخر دولة الإمارات العربية المتحدة أي جهد، أو فرصة لوضع بصمتها الإيجابية في وأد مصادر الصراعات، وإطفاء نيران الاحتراب سواء على المستوى العربي، أو الإقليمي،أو العالمي
مستهدفة من مشاركتها تعزيز قيم ومبادئ الأمن والسلام العالميين، وساعية بكل إمكانياتها الاقتصادية، والسياسية، والدبلوماسية من أجل محاصرة أي احتمال لنشوب صراع يهدد السلم العالمي، وقد نالت الإمارات إعجاب وتقدير المجتمع الدولي، وهيئات الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، والمؤسسات الخيرية ، والهيئات العاملة في الشأن الإنساني، نتيجة جهودها الجبارة، وسخائها في دعم سعادة الشعوب واستقراها، ودء شرور الحروب والاقتتال، والنزاعات.
إن القرار الحكيم لقيادة الإمارات العربية المتحدة القائم على أهمية المشاركة الفعالة ضمن "عاصفة الحزم" إلى جانب المملكة العربية السعودية، وقوات التحالف في العام ٢٠١٥ ، إنما جاء معبراً عن مواقفها المرتكزة على قيمها الإنسانية، والعروبية، وانعكاسا لالتزامها بقضايا السلام، وإطفاء شعلات الحروب، ومؤيداً لمتطلبات تحقيق وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، والعمل بكل مصداقية وشفافية من أجل خير اليمن وشعبه الشقيق.
وقد تركت الإمارات بصمتها الواضحة التي انعكست على الحياة في اليمن، وساهمت في الارتقاء بجودة حياة الناس ، ودفع عجلة التنمية، وترقية الخدمات، وكان كل هدفها أن توفر للشعب اليمني كل سبل الحياة الكريمة، وتنمية مناطقه، وازدهاره .
إن الحكمة البالغة، والسياسة المتزنة، والقرارات الصائبة تتبدى بكل وضوح في قرارها الأخير الذي قامت بموجبه بسحب جميع قواتها التي عملت من أجل مكافحة الإرهاب في اليمن، مؤكدة أنها لن ترضى أبدا أن تكون جزءاً من صراع، أو مواجهات مسلحة، أو علاقات سلبية مع أي من دول الجوار، مشددة ضمن مقتضيات قرارها على أهمية بذل التضحيات من أجل استقرار اليمن، والمنطقة، والمحافظة على أفضل أشكال العلاقات مع جميع المكونات العربية، والإقليمية .
لا ينكر دور الإمارات المحوري وتضحياتها في اليمن إلا كل جاحد،فقد أثبتت القوات المسلحة الإماراتية المشاركة في "عاصفة الحزم" وعبر سنوات من التضحيات والبطولات أنها قوات باسلة قدمت التضحيات من أجل استقرار اليمن، ودفع الشرور، والأطماع عن أهله، وكان للإمارات اليد الطولى في تحقيق الإنجازات بدءاً من تحرير عدن، مروراً بمعركة مأرب، وصولاً إلى دورها الأساسي في دحر فلول تنظيم القاعدة الإرهابي من المكلا، حيث واصلت القوات المسلحة الإماراتية إنجازاتها مجسدة ذلك في نجاحها الكبير فيتحرير الساحل الغربي لليمن من قبضة الحوثيين، دافعة في سبيل ذلك الكثير من دماء أبنائها الأبطال البواسل.
لقد استجاب الإمارات العربية المتحدة نتيجة سياساتها الحكيمة، وأهدافها النبيلة لمتطلبات المستجدات في اليمن حيث تجاوبت بكل طواعية مع مخرجات " اتفاق استكهولم" ، والتي قررت بموجبه إنهاء وجودها الفاعل في اليمن وذلك في العام ٢٠١٩، وبالرغم من ذلك فقد حرصت الإمارات على تعزيز علاقاتها الوثيقة مع العديد من اليمنيين الذين قاتلوا إلى جانبها، وكانوا جزءاً أساسياً من قوتها الضاربة،كما أبقت على وجود محدود، ومحدد في إطار مهام مكافحة الإرهاب، وهو وجود يندرج ضمن جهد دولي مشترك لوأد أي محاولات متطرفة، أو إرهابية من شأنها تهديد السلم الأهلي في اليمن.
إن النجاحات التي حققتها القوات المسلحة الإماراتية في اليمن، أثار في القلوب الحاقدة نوازع الحسد، ووضفت بعض الجهات أدواتها المشبوهة من أجل تشويه الدور الإماراتي، وذلك نابع من الشعور بالنقص لدى هذه الجهات من جهة، وبدافع الاستفراد بالساحة اليمنية لتحقيق مكاسب ذاتية أنانية، ضيقة، والسعي الجهيد من أجل وضع اليمن ومستقبله رهن هذه الأهداف المشبوهة، فكان لابد من المساس بسمعة وسيرة القوات الإماراتية بكل ظلم، وجحود من أجل إخلاء ساحة اليمن من القوات الإماراتية، لتمد المليشيات الإرهابية أذرعها لتصادر حاضر اليمن ومستقبله، مثل الحوثيين الإرهابيين المحتلين، وتنظيم الإصلاح، الذراع القذر للإخوان المسلمين في اليمن، إلا أن الإمارات وبالاستناد إلى عقيدها العروبية، والتزامها بقضاياها المؤمنة بها، واصلت دعم رفاق المسيرة في الجنوب، وعلى الساحل الغربي بقيادة طارق صالح، وفاءً لتضحيات مشتركة، وحرصاً على عدم ترك فراغ أمني قد يستغله الحوثي المتربص، وخصوصاً بعد اتفاق ستوكهولم.
لقد برزت أصوات الانفصال الجنوبي واستقلاله كصدى واضح لطموحات الشعب اليمني، حيث ارتفعت في الجنوب مطالبات ما بات يُعرف بـ "الاستقلال الثاني" فدولة الجنوب التي قامت في العام ١٩٦٧ واتحدت مع الشمال، خاضت أولى حروب فك الارتباط في العام ١٩٩٤ وخسرتها، ومع ذلك، وبعد أن دافع الجنوبيون بشجاعة عن محافظاتهم في وجه العدوان الحوثي، ثم عاد مشروع الاستقلال ليصبح المشروع السياسي الأبرز في الجنوب، خصوصاً في ظل سيطرة الحوثي على الشمال، وضعف الشرعية، وتآكل تأثيرها، والانقسامات الحادة داخله، وبقيت الإمارات على مسافة واحدة من الجميع تستهدف تعزيز السلم الأهلي، وتسعى بكل أمانة إلى درء أي احتمالات لأي صراع أهلي يمني يهدد حاضر اليمن ومستقبله.
وإذا كانت الإمارات اتخذت موقفاً مناصراً لإعلان استقلال الجنوب، والاعتراف بحق الجنوبيين في تقرير مصيرهم، إنما جاء هذا الموقف نتيجة لقراءة سياسية استراتيجية، وتفهم عميق لآمال وطموحات الشعب اليمني، حيث يعبر هذا الموقف عن التحليل الواقعي لواقع الخريطة السياسية في اليمن، واستحالة عودة اليمن إلى ما كان عليه قبل اجتياح الحوثيين لمناطقه، وتمزيق محافظاته، والاستيلاء على مقدراته.
وقد شددت الإمارات في موقفها على أهمية حصول التوافق اليمني - اليمني لتحقيق هذا التوجه في استقلال الجنوب، وذلك بالتزامن مع رؤية ومظلة دولية تدعم هذا التوجه، وتقننه، وتؤطره، وتقدم له أسباب النجاح، والاستقرار، والتنمية.
لقد تصاعد الخطاب الجنوبي المطالب بإعلان الاستقلال، خصوصاًمع بسط المجلس الانتقالي سيطرته على الجنوب العربي اليمني من باب المندب حتى حدود سلطنة عُمان، وعلى وقع هذه التطورات، وجّهت السعودية، وباسم غطاء التحالف، إنذاراً للمجلس الانتقالي بالانسحاب من حضرموت والمهرة، وبالرغم من التأييد الشعبي الواسع للانتقالي، تم توجيه ضربة تحذيرية عقب هذا الإنذار، كما شهدت الأيام الماضية فرض حصار سعودي على موانئ الجنوب،ومجاله الجوي.
إن القوات الجنوبية عندما دخلت محافظتي حضرموت والمهرة، لم تدخلها كقوات غازية غريبة، محتلة، بل استقبلت بتأييد شعبي واسع يعكس ويجدد رغبة أهل الجنوب، وحقهم في تقرير مصيرهم، وإنجاز استقلالهم، وفي خضم هذه التطورات، تفككت العديد من هياكل الشرعية، والحضور السعودي في حضرموت، بالرغم منالإنفاق الكبير عليها، حيث سلّمت قوات المنطقة الأولى، وهي قوات شمالية متمركزة في حضرموت، ولم تقاتل الحوثي منذ ٢٠١٥، فقط احتفظت بمعسكراتها دون أي فعل مؤثر، أو عمليات على الإطلاق،كما فرّ الشيخ عمر بن حبريش، أحد المستفيدين من الفوضى والتهريب في المحافظة، ورفضت قوات "درع الوطن" الممولة سعودياً قتال أشقائها الجنوبيين في المجلس الانتقالي.
إن الغبار الكبير الذي أثير، والضجة، والصراخ الذي أطلق على خلفية وصول المركبات الإماراتية التي إلى ميناء المكلا، حمل أبعاداً تخفي أجندات مشبوهة، وقد حرصت الإمارات على إجراء الاتصالات اللازمة لتوضيح وتأكيد أن هذه المركبات إنما تندرج ضمن إمدادات روتينية للقوات الإماراتية المناوئة، والمحاربة للإرهابفي الجنوب، وتم الاتفاق على تجميعها في الميناء تمهيداً لإعادتها،إلا أن خط التواصل انقطع بشكل مفاجئ، لتتفاجأ الإمارات باستهداف تلك المركبات بضربة عسكرية، مترافقة مع حملة علاقات عامة، وهجوم إعلامي غير مسبوق وغير مقبول بين الجيران والحلفاء، وبيانات، وخطابات أُعدّت سلفاً باسم التحالف، ، دون التشاور مع الإمارات أو بقية أعضائه، وباسم المجلس الرئاسي، بالرغم من رفض نصف أعضائه هذا التوجه، بالإضافة إلى صدوربيان حاد وخارج على السياق من وزارة الخارجية السعودية، مما زاد الأمر تعقيداً، وضبابية، وأثار في الوجدان نوازع الأسف على كل هذه الهجمة الظالمة، لتتصاعد ملامح المخطط بكل وضوح من خلال مطالبة الإمارات بسحب قواتها، في وقت تمسك فيه أبناء الجنوب بالدور الإماراتي لما عرفوه عنها من مصداقية، وشهامة،ودعم صادق.
إن بيان دولة الإمارات للرد على هذه الافتراءات جاء شفافاً، ومتزناً،ودقيقاً بعيداً عن التشنج أو التصعيد، وموضحاً لكافة الملابسات والتطورات، أعقبه بيان وزارة الدفاع بإنهاء ما تبقى من فرق مكافحة الإرهاب في اليمن بمحض إرادتها، وبما يضمن سلامة عناصرها، وبالتنسيق مع الشركاء المعنيين.
إن الحكمة والاتزان ، وتغليب المصلحة العربية، والسلم الإقليمي،والعالمي الذي تتسم به قرارات الإمارات ومواقفها تجلت بكل وضوح في قرار صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة(حفظه الله)، وكان قراراً شجاعاً وحكيماً، هدفه تفادي أي مواجهة مع حليف، وانطلق من إدراك عميق أن الهدف الأول للتحالف هو تحقيق الاستقرار الإقليمي، وقد جنّب هذا القرار الإمارات، بعد كل ما قدمته من تضحيات، الانجرار إلى مراهقات سياسية، وأجندات مخفية، ومغامرات صبيانية، لا تخدم أحداً، كما انعكس هذا الموقف إيجابياً على نظرة المجتمع الدولي، الذي يدرك أن الإمارات دخلت اليمن عام ٢٠١٥ وأنهت مهمتها بكل شرف وفخر مرفوعة الرأس في ،٢٠١٩ ويأتي قرارها اليوم امتداداً للنهج نفسه، القائم على تحقيق وتعزيز الأمن الإقليمي، والحكمة، والقرارات الصائبة الرشيدة في أصعب اللحظات، وأكثرها تأزماً.
أمام هذا السرد التاريخي والسياسي والعسكري للأزمة الأخيرة في اليمن فإنه لا يفوتنا أن نعرج على
الدور الإنساني والتنموي الرائد الذي لعبته دولة الإمارات العربية المتحدة في اليمن الشقيق انطلاقاً من نهجٍ راسخ يقوم على قيم العطاء والتضامن الإنساني، التي أرساها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وتواصلها القيادة الرشيدة اليوم برؤية إنسانية شاملة لا تعرف حدوداً جغرافية أو عرقية.
وللتذكير، فقد قدمت الإمارات دعما إنساناً متواصلا للأسر اليمنية المحتاجة خلال أزمة اليمن عبر الهلال الأحمر الإماراتي ، حيث قامت بتوزيع آلاف طُرود غذائية في محافظات يمنية، خاصة في حضرموت، استفاد منها آلاف الأسر من الفئات الأكثر ضعفًا والعاملين وكذلك النازحين، بالإضافة إلى إطلاق مبادرات للاحتياجات الأساسية من خلال توزيع سلال غذائية، ملابس عيد، وقسائم شرائية للأسر الضعيفة والأيتام في مناطق متعددة، لتخفيف الضغوط المعيشية، كما ساهمت الإمارات في تعزيز قطاع الصحة ومحاربة سوء التغذية، وتطوير علاقات الشراكة مع منظمة الصحة العالمية (WHO)، وإطلاق برنامج مشترك مع منظمة الصحة العالمية للحد من سوء التغذية وتحسين خدمات الرعاية الصحية للأمهات والأطفال في جزيرة سقطرى، مع تدريب الطواقم الصحية وتقوية نظم الرعاية، وتقديم خدمات علاجية وطبية مجانية، وتوفير أدوية، وتجهيز مراكز صحية، وتشغيل عيادات متنقلة تقدم خدمات مجانية في المناطق النائية.
كما أولت الإمارات أثناء وجودها في اليمن دعماً واسع النطاق للتنمية والبنية التحتية من خلال مشاريع تنموية كبرى ، ومنها على سبيل المثال:حزمة دعم تنموي ضخمة بقيمة حوالي 26.1 مليار درهم إماراتي (أكثر من 7.1 مليار دولار) لليمن تشمل الصحة، التعليم، البنية التحتية، الطاقة، والأمن الغذائي، إضافة إلى إعادة بناء المدن المتضررة، ومشاريع البنية الأساسية، وقد قامت الإماراتعبر السنوات السابقة بإعادة تأهيل الموانئ، المطارات، المستشفيات، والمدارس في مناطق محررة، فضلاً عن دعم شبكات المياه والكهرباء.
كما قدمت الإمارات خبراتها وقدراتها في دعم و تمكين المجتمعاليمني والتعليم، و إعادة تأهيل المدارس والمراكز التعليمية، وترميم و بناء مدارس لتأهيل بيئة تعليم آمنة للأطفال، مع دعم برامج تعليمية وتوعية مجتمعية، ودعم القوى العاملة والتدريب، وتنفيذ برامج تدريب وتأهيل مهني للشباب، خاصة في قطاعات مثل الصحة والخدمات الأساسية.
وكانت الإمارات الداعم الأساسي للجهد الدولي في اليمن، حيث أثبتت الإمارات أنها ركن أساسي، وشريك مؤثر ومميز مع الأمم المتحدة، حيث ساهمت الإمارات في خطط الاستجابة الإنسانية التي نفذتها الأمم المتحدة، وكان لها دور كبير في تمويل برامج الإغاثة والمساعدات الغذائية والتغذية والمعيش ، وتقديم مساهمات مالية كبيرة عبر السنوات، ومنذ بدء الأزمة اليمنية في العام 2015، قدمت الإمارات مساعدات بلغت مليارات الدولارات عبر الجهات الحكومية والخيرية المختلفة، استفاد منها ملايين اليمنيين.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة