ليس لأن التحالفات تُدار بالعاطفة، بل لأن الدول الكبرى تُختبر حين تُصبح الكلفة أعلى من التصفيق، وحين لا يعود الوقوف إلى جانب الحليف خيارًا مربحًا، بل قرارًا استراتيجيًا.
ففي لحظات الاختبار الحقيقي، لا تُقاس القوة بالمساحة ولا بعدد السكان، بل بالقدرة على الفعل، وبوضوح القرار، وبالاستعداد لتحمّل ثمنه.
ومن هذه الزاوية وحدها يمكن قراءة الدور الإماراتي خلال العقد الأخير في منطقةٍ لم تعرف الهدوء يومًا، لكنها اليوم تعيش أقسى لحظات الانكشاف.
حين أعلنت المملكة العربية السعودية الدفاع عن أمنها في اليمن بعد انهيار الدولة وسيطرة الحوثيين، لم تنتظر دولة الإمارات توازنات دولية مترددة، ولم تساوم على وضوح الموقف. لبّت النداء فورًا، لأن أبوظبي كانت تدرك أن أمن السعودية ليس شأنًا محليًا، بل ركيزة مركزية في أمن الخليج والمنطقة بأسرها. هناك، على الأرض، لم تُكتب الأخوّة في البيانات، بل في أسماء الشهداء، وفي قرار واضح مفاده أن سقوط السعودية يعني اهتزاز كل الإقليم.
ذلك القرار لم يكن مغامرة، بل تعبيرًا عن فهم عميق لمعنى الدولة ومعنى الردع. القوة لا تُقاس بالحجم، بل بالقدرة على الوقوف حين يتراجع الآخرون، وبالاستعداد لدفع الكلفة حين يختبئ كثيرون خلف الحياد اللفظي.
وقبل اليمن وبعده، تكرّر المعنى ذاته في أكثر من ساحة. حين تعرّضت دولة قطر لتهديد مباشر في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، لم تتعامل دولة الإمارات مع الحدث من زاوية الخصومات السياسية، بل من زاوية السيادة الخليجية الجامعة.
تحرّكت سياسيًا ودبلوماسيًا برسالة صريحة: لا انتهاك لسيادة دولة خليجية مهما كانت الخلافات، لأن السيادة مبدأ غير قابل للتجزئة، وإذا سقط في مكان سيسقط في الجميع.
ومن الخليج إلى مصر، حين راهن البعض على الفوضى بوصفها طريقًا مختصرًا لإعادة تشكيل النفوذ، كان الخيار الإماراتي ثابتًا: الدولة أولًا. الاستقرار طويل النفس أولًا. لأن انهيار الدول لا يصنع حلفاء، بل يفتح أبوابًا للفوضى لا تُغلق.
وفي البحرين، حين حاولت مشاريع التفكيك اختبار تماسك المجتمع والدولة، كان الموقف حاسمًا: الأمن الداخلي ليس ساحة تجريب، والعبث بالنسيج الوطني خط أحمر. ذلك الموقف لم يكن دفاعًا عن نظام، بل دفاعًا عن فكرة الدولة ذاتها في بيئة تعيش على حافة الانفجار.
أما في ليبيا وسوريا، حيث المشهد أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا، لم تنخرط دولة الإمارات في سباق الشعارات، بل سعت إلى منع الانهيار الكامل، والبحث عن مسارات سياسية تُبقي على ما تبقّى من الدولة، لأن البديل كان واضحًا: فوضى مسلحة تُصدَّر إلى الإقليم كله.
وفي السودان، حيث تداخلت المأساة الإنسانية مع صراع السلطة والسلاح، اختارت دولة الإمارات طريقًا شاقًا وأقل صخبًا: التعامل مع الأزمة بوصفها مأساة شعب قبل أن تكون صراع نفوذ. دعم إنساني واسع، وجهد دبلوماسي لخفض التصعيد، انطلاقًا من إدراك أن تفكك السودان لا يهدد حدوده وحدها، بل يفتح ثغرة استراتيجية خطيرة في العمق العربي والأفريقي.
من يقرأ هذا المسار دون انتقائية، يدرك أن دولة الإمارات لم تبحث عن دور أكبر من حجمها، بل عن دور يوازي قدرتها. سندت السعودية حين كان السند كلفة، لا مجاملة. ووقفت مع الدولة حين كان الانحياز للفوضى أسهل وأرخص.
أما محاولات دقّ الأسافين بين أبوظبي والرياض، فهي لا تفهم طبيعة العلاقة بين دولتين تعرفان أن التحالف الحقيقي لا يُقاس بتطابق اللحظات، بل بتجاوزها. ولا تُربكه حملات تشويه، ولا تُسقطه ضوضاء عابرة.
الإمارات سندت السعودية… لأن القوة ليست في الحجم، بل في القدرة.
والقدرة تُختبر حين تشتد العواصف، لا حين تهدأ.
حفظ الله الإمارات،
وحفظ الله السعودية،
وحفظ هذه المنطقة من الذين لا يرون فيها إلا ساحةً للفوضى
لذلك يردد الناس الإمارات هي الحليف الصادق
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة