في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يعود الملف اليمني لواجهة المشهد السياسي العربي والإقليمي ليس بفعل تطور عسكري مفاجئ بل نتيجة سلسلة قرارات وتحركات أعادت فتح الأسئلة الكبرى حول مستقبل الدولة اليمنية وحدود الشرعية السياسية في بلد لم يخرج بعد من ركام الحرب.
ولكي نفهم النهايات لابد من أن نعرج على البدايات لتتجلى الحقائق وتوضع في نصابها الحقيقي دون مواربة، ففي 2015 لم يكن انضمام دولة الإمارات إلى التحالف العربي في اليمن بقيادة السعودية استجابة عسكرية ظرفية، بل قرارا استراتيجيا اتخذته الإمارات من موقع المسؤولية الإقليمية، حين استجابت لطلب حكومي رسمي في لحظة كانت فيها الدولة مهددة بالسقوط الكامل تحت قبضة الانقلاب الحوثي والمليشيات والتنظيمات الإرهابية.
ومنذ تلك اللحظة، تعاملت دولة الإمارات مع اليمن بوصفه ساحة إنقاذ دولة لا ساحة إدارة صراع، دخلت الإمارات المعركة وهي تدرك أن ما يجري في صنعاء وعدن ليس شأنا محليا، بل معركة تتصل بأمن الخليج ودوله، واستقرار البحر الأحمر، وسلامة الملاحة الدولية، ومستقبل التوازنات الإقليمية.
ولذلك لم يكن حضورها حضورا عسكريا فقط، بل مشروعا متكاملا لإعادة بناء الدولة اليمنية سياسيا وأمنيا وإنسانيا.
وسجل عام 2016 محطة مفصلية في هذا الدور، حين قادت دولة الإمارات عملية تحرير مدينة المكلا من قبضة تنظيم القاعدة، منهية واحدة من أخطر بؤر الإرهاب في الجزيرة العربية، ومانعة تمدد التنظيم على شريط ساحلي بالغ الحساسية.
لم يكن تحرير المكلا إنجازا يمنيا فحسب، بل مكسبا امنيا إقليميا ودوليا أعاد رسم خريطة المواجهة مع الإرهاب في المنطقة.
غير أن المقاربة الإماراتية تجاوزت منطق المعارك إلى منطق الدولة، فبالتوازي مع العمليات الأمنية والعسكرية أطلقت الإمارات واحدة من أوسع حملات الدعم الإنساني وإعادة الإعمار في تاريخ اليمن الحديث شملت المستشفيات والمدارس والموانئ والمطارات وشبكات الكهرباء والمياه والطرق، إلى جانب برامج دعم مباشر للملايين من اليمنيين، في رسالة واضحة بأن استعادة الدولة لا تكون بالسلاح وحده، بل بإعادة بناء الإنسان والمؤسسات.
وفي الوقت ذاته، أسهمت دولة الإمارات في إعادة تشكيل المنظومة الأمنية والعسكرية اليمنية على أسس مهنية، عبر دعم قوات محلية منظمة نجحت في تثبيت الأمن في عدن، والساحل الغربي، وحضرموت وشبوة وحماية الممرات البحرية الاستراتيجية في باب المندب والبحر الأحمر، وهي شرايين حيوية للاقتصاد العالمي.
اليوم، وفي ظل التحركات السعودية الأخيرة وتسارع التطورات السياسية داخل مجلس القيادة الرئاسي، يعود الملف اليمني إلى واجهة القلق الإقليمي، لا بسبب خطوة عسكرية مفاجئة، بل نتيجة أزمة رؤية داخل معسكر الشرعية، وتضارب مراكز القرار، وتآكل ثقة الشارع اليمني لاسيما الجنوبي منه في النخب السياسية التي لم تنجح بعد في تقديم نموذج دولة مقنع.
في هذا المشهد المعقد، يبرز الدور الإماراتي بوصفه عامل توازن واستقرار لا وقود تصعيد، فقد حافظت دولة الإمارات، رغم تبدل الحسابات وضغوط المرحلة، على ثبات استراتيجي نادر قائم على دعم مؤسسات الدولة، ومحاربة الإرهاب، ومنع انزلاق اليمن إلى نموذج المليشيات والفوضى المفتوحة.
إن أخطر ما يواجه اليمن اليوم لا يتمثل فقط في استمرار التهديد الحوثي، بل في فراغ المشروع الوطني الجامع داخل معسكر الشرعية، وفي إدارة الدولة بمنطق الغنيمة السياسية لا بمنطق البناء المؤسسي.
وفي هذا الفراغ، تتعاظم أهمية الدور الإماراتي كصمام أمان إقليمي يحد من الانهيار، ويدفع باتجاه تسوية تضع أسس دولة قابلة للحياة.
وليس هذا الدور استثناء في السياسة الخارجية الإماراتية، بل امتداد طبيعي لعقيدة دولة اختارت منذ تأسيسها أن تكون قوة استقرار لا قوة فوضى، ففي ليبيا دعمت المؤسسات الوطنية في مواجهة المليشيات المتطرفة، وفي السودان أسهمت في دعم مسارات الانتقال السياسي، وفي أفغانستان حافظت على حضورها الإنساني حين غاب الآخرون، وفي أوكرانيا لعبت دور الوسيط الإنساني، وفي شرق المتوسط والقرن الإفريقي تحركت كفاعل تهدئة وشريك تنمية واستقرار.
أما في ملف مكافحة الإرهاب، فقد كانت دولة الإمارات في طليعة الدول التي خاضت المواجهة الفكرية والمالية والأمنية ضد التنظيمات المتطرفة، وأسهمت في تجفيف منابع تمويلها على المستوى الإقليمي والدولي.
هكذا يتضح أن الدور الإماراتي في اليمن لم يكن فصلا منفصلا عن سياستها الخارجية، بل تجسيدا كاملا لفلسفة دولة ترى أن أمن المنطقة وحدة واحدة، وأن الاستقرار لا يدار بالحياد، بل بالشراكة والمسؤولية والاستثمار في الإنسان.
وفي لحظة مفصلية يقف فيها اليمن عند مفترق طرق بين مشروع دولة ومشروع فوضى، تظل دولة الإمارات رغم الضجيج والاصطفافات المتغيرة الطرف الأكثر التزاما بفكرة الدولة والأكثر تمسكا بوحدة الصف، والأكثر ثباتا في معركة الاستقرار، في زمن تتقلص فيه الخيارات وتزداد فيه المخاطر.
لم ولن تخجل الإمارات في اتخاذ كافة القرارات الحكيمة في لحظات التوتر القصوى، حيث لا تكون الحكمة ترفا فكريا بل ضرورة لرأب الصدع لا توسيعه ويغدو القرار الرشيد صمام الأمان الذي يجنبنا الانزلاق نحو مسارات لا يحمد عقباها، وهو ما ظهر جليا في موقف الإمارات في التعامل مع هجوم المكلا وما لحقه من قرار صائب بسحب ما تبقى من قوات لمكافحة الإرهاب في اليمن.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة