في العلاقات بين الدول، لا تُقاس المواقف بردود الفعل الآنية، ولا تُختزل الشراكات في خلافات طارئة. ما يبقى هو سجلّ الفعل، وما يُحاسَب عليه التاريخ هو ما قُدِّم حين كان الثمن مرتفعًا، والقرار صعبًا، والبدائل محدودة.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة دور دولة الإمارات في المنطقة، وبالأخص في اليمن، بمعزل عن لحظة الخطر التي واجهت الأمن العربي برمّته. كان الخيار آنذاك واضحًا: إما تحمّل المسؤولية، أو ترك الفراغ يتمدد، ومعه الفوضى والتنظيمات المتطرفة وانهيار الدولة.
اختارت الإمارات أن تتحمل كلفة القرار، لا بدافع المغامرة ولا بحثًا عن نفوذ، بل انطلاقًا من قناعة راسخة بأن أمن المنطقة وحدة واحدة، وأن سقوط دولة عربية في الفوضى لا يتوقف عند حدودها.. لذلك كان الحضور الإماراتي حضور شريك، لا لاعب ظرفي، وحضور من يتحمّل عبء التنفيذ حين يتردد الآخرون.
لم يكن هذا الدور عسكريًا فحسب، بل متكاملًا؛ من مواجهة الإرهاب على الأرض، إلى إعادة بناء ما دمّرته الحرب، إلى دعم الإنسان اليمني في أكثر لحظاته قسوة. الأرقام هنا ليست دعاية، بل شهادة: مليارات الدولارات صُرفت على الإغاثة، التنمية، البنية التحتية، وتأهيل الموانئ والمرافق الحيوية، في امتداد جغرافي شمل معظم المحافظات اليمنية.
ورغم ذلك، تظهر بين الحين والآخر محاولات لإعادة توصيف هذا الدور، وكأن من وقف في خط النار أصبح موضع مساءلة، ومن غاب أو أخطأ تُرك خارج الحساب. هذه المقاربة لا تُنصف الوقائع، ولا تخدم استقرار المنطقة، بل تعكس خللًا في إدارة الخلاف، حين يُستبدل الحوار المسؤول بالخطاب الانفعالي.
الشراكات الاستراتيجية لا تُدار بمنطق تسجيل النقاط، ولا تُقاس بتبدّل المزاج السياسي. هي رصيد تراكمي من الثقة، والتزامات متبادلة، واحترام للتضحيات. والإمارات، في هذا الإطار، لم تغيّر موقعها، ولم تتخلَّ عن مسؤوليتها، لكنها ترفض أن تتحول التضحيات إلى مادة للتشكيك أو المزايدة.
ما تحتاجه المرحلة اليوم ليس إعادة كتابة التاريخ، بل قراءته بإنصاف. ليس البحث عن شماعات جديدة، بل إعادة توجيه البوصلة نحو جوهر التحدي الحقيقي: استعادة الدولة، ومواجهة التطرف، ومنع تفكك المجتمعات.
في النهاية، الدول تُعرَف في لحظات الاختبار، لا في لحظات السجال. والإمارات حين وُضعت أمام اختبار المسؤولية، اختارت الفعل لا الخطابة، والعمل لا الضجيج. أما ما سيبقى، فلن تحدده التصريحات العابرة، بل ما ستثبته الوقائع… والتاريخ وحده هو الذي سيحكم.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة