«كسوف» حرب إيران يحجب السلام بأوكرانيا.. انشغال واشنطن يطفئ الزخم
مع تراجع اهتمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالمفاوضات، بدأت عملية السلام في أوكرانيا التي تقودها الولايات المتحدة تفقد زخمها.
وبحسب أربعة دبلوماسيين من الاتحاد الأوروبي مشاركين في محادثات مع أوكرانيا، فإن الصراع في الشرق الأوسط حوّل انتباه واشنطن بعيداً عن اتفاق السلام، مضيفين أن هذا الوضع يصب في مصلحة روسيا، عبر ارتفاع أسعار النفط، وتعليق بعض العقوبات الأمريكية، واستنزاف سريع للذخائر الأمريكية التي تحتاجها كييف.
وقال مسؤول أوروبي رفيع، لصحيفة «فايننشيال تايمز»، إن المفاوضات بين المسؤولين الأوكرانيين والروس بوساطة أمريكية أصبحت «في منطقة الخطر».
من جانبه، قال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف: «لقد ظهرت بالفعل حالة من التوقف في المحادثات. لدى الأمريكيين أولويات أخرى، وهذا أمر مفهوم».
محادثات متوقفة
عُقدت آخر جولة من المحادثات الثلاثية في جنيف يومي 17 و18 فبراير/شباط. وكان من المقرر عقد جولة جديدة في 5 مارس/آذار في أبوظبي، لكنها أُجّلت بسبب الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، ولم يُعلن بعد عن موعد أو مكان جديدين.
وقال أحد الدبلوماسيين الأوروبيين، إن «الشرق الأوسط أعاد توجيه الاهتمام السياسي بشدة بعيداً عن أوكرانيا… بالنسبة لنا ولأوكرانيا، هذه كارثة».
وأضاف الدبلوماسيون أن دول الاتحاد الأوروبي أُبلغت بأن شحنات الأسلحة الأمريكية إلى كييف، وخاصة أنظمة الدفاع الجوي، ستتأخر مع إعطاء واشنطن الأولوية لعملائها في الشرق الأوسط.
«إنها مشكلة حقيقية لأن هناك منافسة على نفس الموارد العسكرية في الشرق الأوسط وأوكرانيا معاً. من الواضح أن اهتمام أمريكا الآن منصب على الشرق الأوسط»، تقول مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاجا كالاس لصحيفة «فايننشال تايمز».
مكاسب غير متوقعة
ومنحت الحرب التي يخوضها ترامب مع إيران روسيا شريان حياة غير متوقع، إذ أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، ما ساعد الكرملين على تحقيق إيرادات إضافية قد تصل إلى 150 مليون دولار يومياً.
كما خففت الولايات المتحدة بعض العقوبات يوم الخميس، إلى جانب تخفيف الضغط على الهند لوقف شراء النفط الروسي، ما دفع عدداً كبيراً من ناقلات النفط إلى التوجه نحو المحيط الهندي.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن هذه الخطوة الأمريكية «لا تساعد بالتأكيد على تحقيق السلام».
حسابات روسيا
ووفق أشخاص مشاركين في محادثات خلف الكواليس، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تجنب إلى حد كبير انتقاد ترامب بشأن الحرب مع إيران، في محاولة لمنع الولايات المتحدة من الانحياز بشكل أكبر إلى أوكرانيا.
وتحدث الرئيسان هاتفياً يوم الإثنين، حيث اقترح بوتين طرقاً يمكن لروسيا من خلالها الوساطة لإنهاء الصراع في الشرق الأوسط.
لكن في المقابل، أظهر الكرملين عدم استعداد لتقديم تنازلات في المفاوضات مع أوكرانيا، ما أدى أيضاً إلى تزايد إحباطه من مسار المحادثات.
وقال أحد المشاركين في الاتصالات الخلفية، إن «المفاوضات تفقد زخمها… وهي بحاجة إلى دفعة جديدة للحياة».
شكوك أوروبية
ويشكك قادة الاتحاد الأوروبي في إمكانية نجاح محادثات السلام من دون زيادة الضغط على موسكو، لكنهم يرون في استمرارها وسيلة للحفاظ على انخراط الولايات المتحدة في الملف الأوكراني.
وحاول القادة الأوروبيون إبقاء أوكرانيا في دائرة الاهتمام منذ بدء الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران قبل أسبوعين.
فقد استضاف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره الأوكراني في باريس، في محاولة لمواجهة ما وصفه مسؤول في الإليزيه بـ«تأثير الكسوف» الذي أحدثته حرب إيران على الاهتمام الدولي.
كما زار المستشار الألماني فريدريش ميرز، البيت الأبيض بعد ثلاثة أيام من بدء الهجوم، حاملاً خرائط وبيانات لإقناع واشنطن بزيادة الضغط على موسكو.
لكن أشخاصاً مطلعين على اللقاء قالوا إن ترامب لم يكن ميالاً إلى الخوض في التفاصيل، ولا يزال مقتنعاً بأن روسيا قوية وأوكرانيا ضعيفة، كما لم يظهر أي استعداد أمريكي لتصعيد الضغط على بوتين.
وخلال الأسبوع الماضي، أبلغ مسؤولون أمريكيون نظراءهم الأوروبيين بعدم وجود خطط لفرض عقوبات إضافية على قطاع النفط الروسي.
استراتيجية واشنطن
قال نائب رئيس الدراسات في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي أندرو وايس، إن الإدارة الأمريكية تجنبت باستمرار ممارسة الضغط على موسكو، وركزت بدلاً من ذلك على تقديم حوافز للكرملين.
وأضاف: «ترامب وفريقه اعتمدوا بدرجة كبيرة على الارتجال في مفاوضاتهم مع الكرملين».
وفي ظل إدارة ترامب، سعت الولايات المتحدة إلى لعب دور وسيط محايد في المحادثات. ووفق مصادر مطلعة، كان المسؤولون الأمريكيون حريصين على إنهاء الحرب، لكنهم لم يكونوا مهتمين كثيراً بالشروط التي سيُختتم بها النزاع.
من جهته، قال مسؤول في البيت الأبيض إن ترامب ما زال «متفائلاً» بإمكانية أن تؤدي المحادثات إلى إنهاء الحرب، مشيراً إلى أن المفاوضين الأمريكيين أحرزوا «تقدماً كبيراً» خلال الأشهر الأخيرة.
تعثر المفاوضات
لكن أحد المشاركين في الاتصالات غير الرسمية قال: «لا أعتقد أن الروس يريدون استئناف المحادثات قريباً… لأنه لا يوجد ما يمكن التفاوض حوله».
كما رفضت روسيا حتى الآن دعوات الدول الأوروبية للحصول على دور أكبر في المفاوضات.
ففي الشهر الماضي، زار مستشار الأمن القومي الفرنسي إيمانويل بون ومستشار آخر برتراند بوخوالتر موسكو للقاء مستشار السياسة الخارجية للرئيس الروسي يوري أوشاكوف.
وطلب المسؤولان الفرنسيان أن يقبل الكرملين بمشاركة الحلفاء الأوروبيين لأوكرانيا في المحادثات، لكن الرد الروسي كان رفضاً قاطعاً.
وقال بيسكوف: «الأوروبيون لا يريدون المساعدة في عملية السلام.. وعندما جاء ممثل فرنسا لم يحمل أي إشارات إيجابية»، مضيفًا: «للأسف، الأوروبيون يبذلون كل جهودهم لإقناع الأوكرانيين بمواصلة الحرب».
ثقة روسية بالنصر
وأكد بيسكوف أن روسيا واثقة من أنها تتقدم في الحرب، قائلاً: «الوضع على الجبهة إيجابي بالنسبة لنا. نحن نتقدم ونقترب من تحقيق أهدافنا، لكننا منفتحون على تسوية دبلوماسية».
في المقابل، يرى مسؤول أوكراني رفيع أن روسيا غير جادة في إنهاء الحرب، بسبب تمسكها بمطالب لا تستطيع كييف قبولها.
وقال النائب الأوكراني أولكسندر ميريزكو: «لم يتغير شيء في المحادثات مع روسيا. العقبات لا تزال نفسها، وبوتين غير مهتم بتحقيق نتيجة… هو مهتم فقط بالمفاوضات لأنها تساعده على تجنب عقوبات ترامب».