خطة سلام أوكرانيا.. ترامب يضغط وموسكو ترسم خطوطها الحمراء
في قلب أزمة أوكرانيا المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، تبدو خطة السلام الأمريكية برئاسة دونالد ترامب اختبارًا حقيقيًا للتوازن بين الميدان والسياسة، بين الضغوط العسكرية الروسية وطموحات كييف للارتباط بالغرب.
فكل بند في الخطة، من الضمانات الأمنية المشابهة مرورًا بعضوية الناتو إلى إدارة محطة زابوريجيا النووية، يتحول إلى خط أحمر بالنسبة لموسكو، بينما يمثل أملًا استراتيجياً لأوكرانيا في تأمين مستقبلها واستقلال قرارها.
لكن ما يجعل المشهد أكثر تعقيدًا هو التناقض البنيوي بين رؤية موسكو وكييف: فكلما اقتربت أوكرانيا من خطة مقبولة بالنسبة لها، زاد رفض روسيا، بينما يسعى ترامب، في الوقت نفسه، لإظهار نفسه كوسيط سلام، وسط ضغوط ومناورات سياسية وإعلامية مكثفة من الطرفين.
فهل تنجح أمريكا في التوفيق بين الطرفين؟
تقول صحيفة «واشنطن بوست»، إنه رغم أجواء التفاؤل الحذر التي أعقبت لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في ولاية فلوريدا الأمريكية، فإن بداية عام 2026 شهدت تصعيدًا روسيًا جديدًا، سواء على المستوى العسكري أو الإعلامي.
وتسعى موسكو إلى كسب الوقت لمواصلة تحقيق مكاسب ميدانية، وفي الوقت نفسه التأثير على نظرة ترامب للصراع إلا أن هذه المحاولة ربما جاءت بنتائج عكسية، إذ تراجع الرئيس الأمريكي لاحقًا عن تبني الرواية الروسية حول استهداف مقر بوتين، بحسب الصحيفة الأمريكية.
كانت أوكرانيا قد خضعت منذ منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2025 لضغوط أمريكية كبيرة للقبول بمسودة خطة سلام من 28 نقطة تضمنت تنازلات قاسية لمصلحة روسيا، مع تهديد صريح بسحب الدعم الأمريكي.
لكن تحركًا دبلوماسيًا مكثفًا من كييف، بدعم أوروبي، أدى إلى تعديل الخطة وتقليصها إلى 20 نقطة، لم تعد تطالب أوكرانيا بالتنازل عن أراضٍ لم تنجح روسيا في السيطرة عليها عسكريًا.
وعزز هذا التطور التفاؤل لدى القيادة الأوكرانية وبعض القادة الأوروبيين، مثل رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، الذي لمح إلى إمكانية مشاركة قوات أمريكية في الضمانات الأمنية.
ومع ذلك فإن المفارقة الأساسية هي أن أي خطة تصبح أكثر قبولًا لدى أوكرانيا تتحول تلقائيًا إلى خطة غير مقبولة لدى روسيا التي تتمسك بمطالبها وعلى رأسها منع أوكرانيا من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.
وتتضمن خطة ترامب للسلام في أوكرانيا تعزيز علاقاتها الأمنية والاقتصادية مع الغرب مما يمثل خلافا موسكو، فيما تواجه أي محاولة لإنهاء حرب أوكرانيا تعقيدات عميقة في ظل الخلافات الجوهرية بين أهداف موسكو وخطط السلام التي يروج لها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وتحقق المقترحات الأمريكية المطروحة تعزيز ارتباط كييف بالولايات المتحدة وأوروبا، وهو ما يتعارض جذريًا مع الأهداف الاستراتيجية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وفقا لما ذكرته صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية.
وأشارت الصحيفة إلى المزاعم الروسية الأخيرة بشأن محاولة أوكرانية لاستهداف أحد مقار إقامة بوتين والتي اعتبرها محللون غربيون محاولة متعمدة لتقويض مبادرة ترامب وإعادة توجيه الرأي العام الدولي ضد كييف.
وتتضمن خطة ترامب عدة بنود أساسية، بينها:
- منح أوكرانيا ضمانات أمنية شبيهة بعضوية حلف شمال الأطلسي (ناتو)
- إنشاء منطقة اقتصادية حرة منزوعة السلاح على طول خطوط التماس الحالية
- احتمال انتشار قوات غربية لمراقبتها
دور أمريكي في تشغيل محطة زابوريجيا النووية التي سيطرت عليها روسيا عام 2022 وهي بنود تمثل خطوطًا حمراء بالنسبة لموسكو.
وكانت أوكرانيا قد خضعت منذ منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2025 لضغوط أمريكية كبيرة للقبول بمسودة خطة سلام من 28 نقطة تضمنت تنازلات قاسية لمصلحة روسيا، مع تهديد صريح بسحب الدعم الأمريكي.
وفي حين يحاول ترامب تصوير الولايات المتحدة كوسيط محايد، تصر روسيا باستمرار على أن واشنطن وحلفاءها هم أطراف مباشرة في النزاع.
كما أن دافع ترامب الشخصي، المتمثل في تقديم نفسه كصانع سلام وربما السعي لنيل جائزة نوبل، يجعله أحيانًا أقل حساسية لجوهر الصراع وأسبابه العميقة وفقا لـ"واشنطن بوست".
ويواصل زيلينسكي جهوده لإقناع ترامب بأن أوكرانيا ليست العقبة أمام السلام، بل الطرف الأكثر مرونة في المفاوضات.
مكاسب رمزية
وخلال زيارته إلى فلوريدا، سعى زيلينسكي إلى تحقيق مكاسب رمزية واستراتيجية، من بينها اقتراح تمديد الضمانات الأمنية الغربية لأوكرانيا إلى 50 عامًا بدل 15، وهو ما قال ترامب إنه قد ينظر فيه.
لكن هذه الخطوات أثارت استياء موسكو، التي كثفت تحركاتها السياسية والإعلامية فورًا حيث تُظهر الإدانات الدولية للهجوم المزعوم على مقر بوتين كيف تنجح الرواية الروسية أحيانًا في الانتشار السريع رغم أن تقارير الاستخبارات الأمريكية خلصت لاحقا إلى عدم وقوع أي هجوم.
ولا تكمن العقبة الحقيقية أمام إنهاء الحرب في التفاصيل التقنية لخطط وقف إطلاق النار، بل في التناقض البنيوي بين رؤية موسكو وكييف لمستقبل أوكرانيا، بحسب الصحيفة الأمريكية.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTAzIA== جزيرة ام اند امز