معادن أوكرانيا.. كنوز على وشك البوح بسرها أم خدعة؟

مع تصاعد المنافسة على الموارد الحيوية بين أمريكا والصين، أصبح لثروة أوكرانيا دور محوري في المعادلات الاقتصادية والسياسية.
وفي ظل هذا المشهد، يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى التوصل إلى اتفاق يمنح واشنطن وصولًا جزئيًا إلى المعادن الأوكرانية، وهو ما يثير تساؤلات حول القيمة الحقيقية لهذه الموارد، وإمكانية استغلالها في ظل التحديات الاقتصادية والجيوسياسية الراهنة.
وفقًا لصحيفة "واشنطن بوست"، يصرّ ترامب على أن المعادن الموجودة في باطن أوكرانيا يمكن أن تُشكّل أساس "صفقة تريليونية" لتعزيز سلاسل التوريد الحيوية للولايات المتحدة، بينما يرى زيلينسكي أن ثروة بلاده المعدنية "لا تُقدّر بثمن".
لكن مدى توفر هذه الموارد وإمكانية استغلالها اقتصاديًا لا يزال غير مؤكد، حيث تتطلب عمليات التعدين والمعالجة استثمارات ضخمة وبنية تحتية معقدة، مما يجعل بعض الرواسب غير مجدية اقتصاديًا.
استثمار محفوف بالمخاطر
يرى روبرت موغا، المسؤول في شركة SecDev المتخصصة في المخاطر الجيوسياسية والرقمية، أن استخراج العديد من المعادن الحيوية التي تسعى إليها الولايات المتحدة قد يتطلب استثمارات بمليارات الدولارات. وهذا يعني أن أي اتفاق سيكون رهانًا طويل الأمد، وهو ما قد يكون مفيدًا لكييف، التي تسعى إلى منح واشنطن مصلحة مادية في مستقبل البلاد.
الغموض يحيط بالمخزون الحقيقي
أحد التحديات الكبرى في تقييم معادن أوكرانيا هو أن أكبر مسح جيولوجي لموارد البلاد أُجري في العهد السوفياتي، وظلت تفاصيله سرية منذ ذلك الحين. ويقول رومان أوبماخ، المدير العام السابق لهيئة المسح الجيولوجي الأوكرانية، إن هذه المقاربة عفا عليها الزمن، ولا توجد حتى الآن بيانات حديثة وشاملة.
تقديرات شركة SecDev تشير إلى أن 40% من المعادن الحيوية في أوكرانيا تقع في المناطق التي تسيطر عليها روسيا، بما في ذلك منطقة دونباس الغنية بالموارد، وهو ما يُعقِّد أي خطط استثمارية طويلة الأمد، إذ لا يمكن لأوكرانيا استغلال جزء كبير من ثروتها المعدنية في الوقت الحالي.
هل تمتلك أوكرانيا معادن نادرة حقًا؟
أثار ترامب الجدل حين قال إن الصفقة ستشمل "المعادن النادرة وأشياء أخرى"، لكن المسح الجيولوجي الأمريكي لا يسجل أوكرانيا كمنتج رئيسي للعناصر الأرضية النادرة، وهي مجموعة من 17 عنصرًا تُستخدم في التكنولوجيا المتقدمة والصناعات العسكرية.
لكن أوكرانيا تتمتع باحتياطات كبيرة من الليثيوم، الجرافيت، اليورانيوم، والتيتانيوم، والتي تم تصنيفها كـ"معادن حيوية" من قبل الولايات المتحدة بسبب مخاطر سلسلة التوريد العالمية. وهذه المواد مهمة جدًا في الصناعات الحديثة، حيث يدخل الليثيوم والجرافيت في صناعة البطاريات المستخدمة في السيارات الكهربائية، ويُستخدم اليورانيوم في الطاقة النووية، والتيتانيوم، وهو معدن خفيف لكنه قوي مثل الفولاذ، يُستخدم في الصناعات الفضائية والدفاعية.
التحدي الأكبر: المعالجة والتكرير
على الرغم من امتلاك أوكرانيا 20% من احتياطي العالم من التيتانيوم، وفقًا لبعض التقديرات، فإن استخراج المعدن لا يكفي وحده. فالمادة الخام (الإلمينيت) يجب معالجتها إلى "إسفنجة التيتانيوم"، وهي عملية مكلفة وتستهلك كميات كبيرة من الطاقة.
حاليًا، لا تنتج الولايات المتحدة إسفنجة التيتانيوم، بعد أن أوقفت إنتاجها في عام 2020 بسبب ارتفاع التكاليف مقارنة بالواردات الرخيصة. أما في أوكرانيا، فإن المصنع الوحيد المنتج لهذه المادة في زاباروجيا قد أوقف عملياته بسبب قربه من الجبهة القتالية.
وبينما تهيمن روسيا والصين على السوق العالمية، لا تزال الشركات الأوكرانية مثل Velta تحاول تطوير تقنيات جديدة لمعالجة التيتانيوم بشكل أسرع. لكن الأمر قد يستغرق سنوات قبل أن يصبح الإنتاج واسع النطاق.
تحديات أخرى: البنية التحتية وتقنيات التعدين
فيما يتعلق بالموارد الأخرى، لا تزال أوكرانيا تعتمد على بنية تحتية سوفياتية قديمة، مما يُصعِّب من تطوير قطاع التعدين. منها، على سبيل المثال، أن احتياطيات الليثيوم الأوكرانية من بين الأكبر في أوروبا، لكنها غير مستغلة حاليًا بسبب تعقيدات التعدين.
ومنجم الجرافيت في زافاليفسكي لم يشهد أي نوع من التحديث منذ الحرب الباردة، فيما يتطلب تكرير الجرافيت إلى مستوى مناسب لصناعة البطاريات عمليات إضافية مكلفة وضارة بالبيئة.
ويجري إنتاج اليورانيوم في أوكرانيا عبر شركة VostGOK الحكومية، لكنها غير مربحة بسبب ارتفاع تكاليف التعدين.
ما الذي يمكن توقعه من الصفقة؟
بينما يناقش المسؤولون الأمريكيون والأوكرانيون تفاصيل الاتفاق، لا تزال هناك أسئلة جوهرية حول مدى واقعية الاستثمار في قطاع المعادن الأوكراني. ويقول المحللون إن استخراج هذه الموارد قد يستغرق عقودًا ويتطلب رؤوس أموال ضخمة، مما يجعل تحقيق أرباح سريعة أمرًا غير ممكن.
لكن مع تصاعد الطلب العالمي على المعادن الحيوية وزيادة التنافس مع الصين، يرى البعض أن الاستثمار في موارد أوكرانيا قد يؤتي ثماره على المدى الطويل، خاصة إذا تمكنت الولايات المتحدة من تأمين سلسلة توريد مستقلة في المستقبل.