صدقة السر.. الجانب المجهول في حياة هاني شاكر «فاعل الخير»
بينما تنشغل منصات التواصل الاجتماعي برحيل "صوت الرومانسية"، وتستعرض الشاشات أمجاد "أمير الغناء العربي" الفنية، ثمة فصل آخر في حياة الفنان الراحل هاني شاكر لم يُكتب في "تترات" المسلسلات ولم يُغنَّ في الحفلات الكبرى.
إنه فصل "الإنسان" الذي كان يخلع رداء النجومية عند عتبات بيوت البسطاء، ويمد يده بالخير.
اليوم، ومع رحيله، بدأت "ألسنة الخير" تنطق بما حرص الراحل على كتمانه لعقود؛ فخلف الهيبة والوقار، كان هناك قلب لا يهدأ إلا بجبر الخواطر.
كفالة الأيتام
لم يكن هاني شاكر يرى في الأيتام مجرد "حالات إنسانية" تستحق الشفقة، بل كان يراهم "أمانة" شخصية. تكشف شهادات المقربين منه أنه كان يكفل عدداً ضخماً من الأطفال الأيتام في جمعيات ومؤسسات خيرية، بل وكان يخصص مبالغ شهرية ثابتة لزيجات فتيات يتيمات لم يرهن يوماً، ولم يطلب حتى أن يُذكر اسمه في أوراقهن.
كان يحرص على أن تصل هذه المساعدات باسم "فاعل خير"، مفضلاً أن تظل صورته في أذهانهم هي صورة "الفنان" البعيد، بينما يدُه هي "السند" القريب.
هذا الجانب كان "الملاذ" النفسي لهاني شاكر؛ فكلما ضاقت به الدنيا، كان يجد في "بسمة يتيم" كفله سراً طوق نجاة من هموم الشهرة وأحزان الحياة.
طبيب الموسيقيين المنكسرين
رغم الصدامات الإعلامية التي صاحبت فترة توليه نقابة المهن الموسيقية، إلا أن الكواليس كانت تخبئ وجهاً آخر.
لم يكن هاني شاكر يكتفي بصرف المعاشات الرسمية، بل كان "طبيباً" سرياً لمئات الموسيقيين القدامى الذين جار عليهم الزمن.
يروي أحد الموسيقيين "البسطاء" بدموعه: "عندما مرضت ولم أجد ثمن الدواء، وجدت مندوباً يطرق بابي بمبلغ ضخم وتوصية من مستشفى كبير، وعندما سألت من؟ قال لي: فاعل خير لا يريد إلا دعاءك".
هكذا كان هاني شاكر؛ يداوي جراح زملائه من ماله الخاص، ويحفظ كرامة "عازف" صمتت آلاته، ليبقى "النقيب الإنسان" هو اللقب الذي كان يفخر به بعيداً عن صخب الكراسي والمناصب.

دعم المستشفيات
لم تخلُ مسيرة هاني شاكر من مساهمات ضخمة في دعم مستشفيات علاج السرطان ومراكز غسيل الكلى، لكن المفارقة كانت في "طريقة الدعم".
كان يرفض تماماً وضع اسمه على أجنحة المستشفيات أو التقاط الصور بـ "شيكات" التبرع كما يفعل الكثيرون.
كان يؤمن بأن "العمل الصالح" يفسده "الشو الإعلامي"، لذا، كان يرسل تبرعاته عبر وسطاء موثوقين، ويشترط ألا يُعلن عن اسمه.
رحيله اليوم كشف عن "أجهزة طبية" في مستشفيات حكومية ريفية، كانت تعمل لسنوات بفضل "صدقة سر" من فنان آمن بأن الفن رسالة جمال.
شهادات من "أصحاب الأرض"
في رحيل "الأمير"، بدأت القصص تخرج من أزقة الأحياء الشعبية. بائع جرائد، وعامل نظافة، وسائق بسيط؛ لكل منهم "حكاية" مع هاني شاكر.
هذا ساعده في تعليم أبنائه، وذاك أرسل له تكاليف الحج سراً، وتلك سدد عنها ديونها قبل أن تدخل السجن.
هذه "الشهادات الشعبية" هي التكريم الحقيقي لهاني شاكر. لم تكن هذه المساعدات نابعة من "عطايا النجوم"، بل من "شهامة ابن البلد" الذي لم ينسَ جذوره يوماً.
كان يرى في مساعدة هؤلاء الناس "زكاة" عن صوته الذي منحه الله إياه، وكأنه كان يغسل بروحه أوجاع الناس كما كان يغسل بآهاته همومهم.