أزمة الأمن القومي «الكمومية».. سباق أمريكي صيني على أسرار العالم
لأكثر من 7 عقود، أعادت التكنولوجيا والابتكارات رسم خرائط القوة والنفوذ والأمن القومي العالمي.
فقد أرست القنابل الذرية والهيدروجينية مبدأ الردع النووي في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، وفي سبعينيات وثمانينيات القرن نفسه، أدت الإلكترونيات الدقيقة إلى ابتكار أسلحة خفية ودقيقة، وظهور الشبكات الرقمية المبكرة.
وفي تسعينيات القرن الماضي، أحدث الإنترنت ونظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس) نقلة نوعية في مجال الاتصالات، واليوم، بالطبع، يُشغّل الذكاء الاصطناعي الأسلحة ذاتية التشغيل، ويُعزز القدرات السيبرانية بشكل كبير.
لكن وفق تحليل لـ«فورين أفيرز»، فإن التحدي الجديد الذي يلوح في الأفق اليوم لا يتمثل في سلاح جديد أو شبكة اتصالات أكثر تطوراً، بل في حاسوب قادر على كشف أسرار العالم بأسره.
ولفت إلى أن «تقنيات الكم هي التي ستُحدث تحولًا جذريًا في مجالات لا حصر لها، بدءًا من كشف أسرار الأمن القومي وصولًا إلى بسط النفوذ العسكري»، بحسب ما نقلته «فورين أفيرز» عن خبراء في الأمن القومي، وصفوه بأنه «أحد أخطر التحديات التكنولوجية والاستراتيجية في القرن الـ21».
قدرات تتجاوز الحوسبة التقليدية
تعتمد التقنيات الكمية على استغلال الخصائص الفيزيائية للجسيمات متناهية الصغر، ما يتيح تنفيذ مهام لا تستطيعها التقنيات التقليدية. ومن بين هذه المهام تحديد المواقع بدقة عالية دون الحاجة إلى الاتصال بالشبكات أو الأقمار الصناعية، إضافة إلى إمكانية كسر أنظمة التشفير المستخدمة حالياً لحماية السجلات الطبية والمعاملات المالية وأسرار الدول.
ويشير التحليل إلى أن الحاسوب التقليدي يحتاج إلى نحو 300 تريليون سنة لكسر مفتاح تشفير RSA بطول 2048 بت باستخدام أسلوب «القوة الغاشمة»، بينما يمكن للحاسوب الكمي نظرياً تنفيذ المهمة نفسها خلال أقل من 8 ساعات.
جمع البيانات استعداداً للمستقبل
ورغم عدم وجود حاسوب كمي قادر حالياً على تنفيذ هذه المهمة، فإن أجهزة الاستخبارات الأمريكية تعتقد أن خصوم الولايات المتحدة يجمعون بالفعل بيانات أمريكية مشفرة بهدف الاحتفاظ بها إلى أن تصبح تقنيات فك التشفير الكمية متاحة.
ويؤكد التحليل أن الصين وروسيا لا تنتظران ظهور الحاسوب الكمي العملي، بل تجمعان أسراراً أمريكية مشفرة على أمل أن تظل ذات قيمة عندما تتوافر القدرة على قراءتها، سواء تحقق ذلك خلال خمس سنوات أو عشر سنوات.
قفزة كمية في مجال التشفير
ويرى التحليل أن التهديد الذي تمثله الحوسبة الكمية للأمن القومي يصعب المبالغة في تقديره، لأن معظم أنظمة التشفير الحالية تعتمد على صعوبة حل مسائل رياضية معينة بواسطة الحواسيب التقليدية، مثل تحليل الأعداد الكبيرة إلى عواملها الأولية.
أما الحواسيب الكمية، فمن المتوقع أن تتمكن من تنفيذ هذه العمليات بكفاءة أعلى بكثير، ما قد يسمح بكسر الشفرات والوصول إلى البيانات الحساسة التي تعتمد عليها الحكومات والمؤسسات والشركات في حماية معلوماتها.
ورغم أن موعد ظهور حاسوب كمي قادر على ذلك ما زال غير محسوم، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى إمكانية تمكنه خلال السنوات المقبلة من كسر بعض أشكال التشفير الشائعة.
المستشعرات الكمية وساحات القتال
لا تقتصر تداعيات التقنيات الكمية على التشفير فقط، بل تمتد إلى مجال الاستشعار.
فالمستشعرات الكمية قادرة على قياس الزمن والفروق في المجالات الجاذبية والمغناطيسية بدرجة غير مسبوقة من الدقة والحساسية.
ويمكن استخدام هذه القدرات مستقبلاً لاكتشاف المركبات الشبحية أو لتوجيه القوات العسكرية في البيئات التي تكون فيها إشارات «جي بي إس» محجوبة أو مشوشة أو غير متاحة.
ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة بالنسبة للولايات المتحدة في ظل التقدم الصيني في تقنيات التشويش على «جي بي إس»، الذي يعتمد عليه الجيش الأمريكي وحلفاؤه في تشغيل الذخائر الموجهة والطائرات المسيّرة.
الصين ومنظومة «بايدو-3»
ويشير التحليل إلى أن الصين تمتلك اليوم منظومة الملاحة الخاصة بها «بايدو-3»، ما يتيح لها نشر أجهزة تشويش قوية في مناطق مثل بحر الصين الجنوبي دون التأثير على أنظمتها العسكرية.
وفي هذا السياق، تمثل المستشعرات الكمية بديلاً محتملاً لأنظمة الملاحة المعتمدة على الأقمار الصناعية، إذ توفر مصدراً مستقلاً لتحديد الموقع والتوقيت دون الحاجة إلى استقبال إشارات خارجية.
تفوق أمريكي واستثمارات صينية
حتى الآن، ما تزال الولايات المتحدة تحتفظ بتفوق تقني في مجال العتاد الكمي، ويقود القطاع الخاص جانباً كبيراً من هذا التقدم عبر شركات مثل Google وIBM وعدد من الشركات الناشئة.
في المقابل، جعلت الصين التقنيات الكمية إحدى أولويات خطتها الخمسية للفترة 2026-2030، وتركز معظم أنشطة البحث والتطوير في مؤسسات حكومية مثل مختبر هيفاي الوطني.
ورغم أن الاستثمارات الصينية الأولى ركزت على بناء شبكات اتصالات كمية آمنة، فإن بكين حققت أيضاً تقدماً في مجال الحوسبة الكمية، كما تطور مستشعرات كمية مخصصة للغواصات والطائرات الشبحية.
كتل تكنولوجية متنافسة
مع انتقال المنافسة من الأبحاث العلمية إلى الاستثمارات الضخمة، بدأت تظهر تكتلات دولية متنافسة في المجال الكمي.
فقد انضمت الولايات المتحدة إلى حلفاء مثل فرنسا واليابان والمملكة المتحدة لتأسيس «مجموعة تطوير الكم» التي تضم 13 دولة، بهدف تأمين سلاسل التوريد العالمية وحماية المصالح الأمنية المرتبطة بالتقنيات الكمية.
في المقابل، تتعاون الصين مع دول مجموعة بريكس، وخاصة روسيا التي تمتلك خبرات متقدمة في مجالات الفيزياء والرياضيات والتشفير.
الشراكة الكمية بين الصين وروسيا
ويوضح التحليل أن المعلومات المتاحة للعامة حول الجهود الكمية الروسية ما تزال محدودة، إلا أن موسكو تتمتع بخبرة مهمة في خوارزميات التشفير قد تساعدها على تطوير حواسيب كمية فعالة.
ومنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، عززت روسيا تعاونها مع الصين.
وفي أواخر عام 2023 أعلن البلدان إنشاء «وصلة كمية آمنة» لنقل المعلومات بين أقمار صناعية ومحطات أرضية صينية وروسية تفصل بينها نحو 2400 ميل.
كما أجرت الصين في أوائل عام 2025 تجربة مماثلة مع جنوب أفريقيا عبر مسافة تجاوزت 8000 ميل.
ويشير التحليل إلى أن الاتصالات الكمية تعتمد على خصائص فيزيائية تجعل أي محاولة للتنصت سبباً مباشراً في اضطراب الإشارة، ما يسمح للطرفين باكتشاف الاختراق فور حدوثه.
شكوك غربية
رغم هذه التطورات، يشكك عدد من العلماء في الولايات المتحدة وأوروبا في القيمة العملية الكاملة لهذه الأنظمة، لأنها ما تزال تعتمد على التشفير التقليدي للتحقق من هوية أطراف الاتصال، وبالتالي لا تخلو من نقاط الضعف.
ومع ذلك، يرى التحليل أن هذه التجارب تعكس احتمال توجه الصين إلى بناء منظومة تعاون كمي أوسع داخل مجموعة بريكس، تشمل الحوسبة والاستشعار إلى جانب الاتصالات.
سباق لتطوير تشفير مقاوم للكم
بدأت الولايات المتحدة اتخاذ خطوات لمواجهة هذه التحديات من خلال مشروع أطلقه المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا NIST عام 2016 لتطوير خوارزميات قادرة على مقاومة هجمات الحواسيب الكمية.
وفي أغسطس/آب 2024 اعتمد المعهد أول مجموعة من هذه الخوارزميات، وبدأت شركات الإنترنت الكبرى في استخدامها.
ويشير التحليل إلى أن شركات التكنولوجيا الكبرى، بما فيها جوجل وفيسبوك، تستخدم بالفعل أشكالاً من التشفير المقاوم للكم، لكن تطبيق هذه المعايير ما زال غير مكتمل في جميع بروتوكولات الإنترنت.
مخاطر البيانات المخزنة
حتى إذا نجح العالم في الانتقال إلى التشفير المقاوم للكم قبل ظهور حاسوب كمي كامل القدرات، فإن ذلك لا يلغي المخاطر المرتبطة بالبيانات التي جُمعت بالفعل.
فبينما قد تفقد بعض المعلومات قيمتها مع مرور الوقت، ستظل معلومات أخرى ذات حساسية استراتيجية، مثل أسرار تصميم الأسلحة النووية، مهمة لعقود طويلة.
ويرى التحليل أن هذه الفئة من المعلومات تمثل الخطر الأكبر إذا تمكنت جهات معادية من فك تشفيرها مستقبلاً.
حماية «السلسلة الكمية»
يدعو التحليل الولايات المتحدة وحلفاءها إلى تأمين ما يسميه «السلسلة الكمية» المحلية، بما يشمل المواد الخام والعتاد والملكية الفكرية اللازمة لتطوير هذه التقنيات.
كما يوصي باستخدام ضوابط التصدير لحماية الإلكترونيات المتخصصة والثلاجات فائقة البرودة والهيليوم ونظائر السيليكون المستخدمة في بناء الأنظمة الكمية.
ويشدد كذلك على ضرورة حماية الشركات العاملة في هذا المجال من التجسس الصناعي عبر تعزيز التعاون بين الحكومات وأجهزة الاستخبارات والقطاع الخاص.
تحديث الإنترنت عالمياً
إلى جانب حماية التكنولوجيا، يدعو التحليل إلى قيادة جهد دولي لتحديث بروتوكولات الإنترنت واعتماد التشفير المقاوم للكم على مستوى العالم.
ويحذر من أن استخدام دولة أو جهة واحدة لمعايير أضعف قد يجعلها الحلقة الأضعف في النظام الرقمي العالمي، ما يستدعي تنسيقاً بين الولايات المتحدة وأوروبا والدول الآسيوية لتطوير معايير متوافقة عالمياً ونشرها على نطاق واسع.
طوارئ لعالم ما بعد التشفير
يفترض كثير من الحلول المطروحة أن تطوير حاسوب كمي قادر على كسر التشفير الحالي سيستغرق سنوات، لكن التحليل يشير إلى ضرورة الاستعداد لاحتمال تحقق هذا الإنجاز في وقت أقرب.
ولهذا يدعو الحكومات والشركات إلى حصر البيانات التي انتقلت عبر قنوات قد تصبح معرضة للخطر، وتقييم تداعيات كشفها، ووضع خطط طوارئ للتعامل مع هذه السيناريوهات.
كما يؤكد أهمية تغيير كلمات المرور ومفاتيح المصادقة القديمة بعد الانتقال إلى الأنظمة الجديدة، لأن فك تشفير الاتصالات السابقة قد يسمح بالوصول إلى أنظمة حساسة حتى بعد تحديثها.
تعاون وتنافس في آن واحد
وخلص التحليل إلى أن المنافسة الأمريكية الصينية في مجال التقنيات الكمية ستظل تجمع بين التعاون والتنافس.
فالدولتان تشاركان في بعض الأطر الدولية المعنية بوضع المعايير التقنية، وتسعيان إلى تجنب انقسام الإنترنت وسلاسل الإمداد العالمية بسبب عدم التوافق التقني.
لكن عندما يتعلق الأمر بالعتاد الكمي والتطبيقات العسكرية، فإن كل قوة كبرى ستسعى إلى تحقيق التفوق على منافسيها وامتلاك زمام المبادرة في واحدة من أكثر التقنيات تأثيراً على مستقبل الأمن القومي العالمي.