المنزل المطابق والظلام القاتل.. هكذا رسمت أمريكا لحظة القبض على مادورو
لم تكن الإطاحة بنيكولاس مادورو نتيجة ضربة مفاجئة، بل ثمرة عملية عسكرية-استخباراتية معقدة استغرقت شهورًا من التخطيط السري.
وانتهت بغارة خاطفة في قلب العاصمة الفنزويلية كاراكاس، كاشفة عن أعلى مستويات التنسيق بين أجهزة الاستخبارات الأمريكية، والجيش، وسلطات إنفاذ القانون.
ووفق تقرير لصحيفة نيويورك بوست، اطلعت عليه «العين الإخبارية»، فقد بدأت العملية فعليًا في أغسطس/آب الماضي، عندما أطلقت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية حملة مراقبة مكثفة استهدفت ما وصفه مسؤولون بـ«نمط حياة» مادورو.
واعتمدت الوكالة على مزيج من المصادر البشرية والطائرات المسيّرة الشبحية لرصد تحركاته اليومية، وأماكن إقامته، وطرق تنقله، وحتى تفاصيل دقيقة عن عاداته الشخصية.
وبناءً على هذه المعطيات، شرعت قوات النخبة من «دلتا فورس» في تدريبات موسعة داخل منشأة تحاكي بدقة المجمع الرئاسي المحصن في كاراكاس، بما في ذلك الأبواب الفولاذية والمساحات الآمنة، في محاكاة شبه كاملة لمسرح العملية، وفق ما أوردته صحف أمريكية.

وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاحقًا: «لقد بنوا منزلاً مطابقًا تمامًا للمنزل الحقيقي… بكل التفاصيل».
انتظار الطقس… وساعة الصفر
مع اكتمال الخطة، انتظر البنتاغون اللحظة المناسبة. وعند الساعة 10:46 مساء يوم الجمعة، وبعد تحسن قصير في الأحوال الجوية، صدرت الأوامر النهائية لبدء العملية، في سباق محسوب مع الزمن لتحقيق عنصر المفاجأة وتقليل الخسائر المدنية.
أكثر من 150 طائرة أمريكية أقلعت في وقت متزامن من نحو 20 قاعدة عسكرية وسفينة حربية، شملت قاذفات بي-1، ومقاتلات، وطائرات استطلاع، ومروحيات هجومية.
وتولى فوج الطيران 160 للعمليات الخاصة، المعروف باسم «مطاردو الليل»، نقل قوات الكوماندوز باستخدام مروحيات إم إتش-60 وإم إتش-47 المعدلة، في عمليات إنزال ليلي منخفض الارتفاع شديدة الخطورة.
وفي موازاة ذلك، عطلت الطائرات الأمريكية منظومات الدفاع الجوي الفنزويلية، فيما قُطعت الكهرباء عن أجزاء واسعة من كاراكاس عبر عمليات إلكترونية متقدمة، لتغرق العاصمة في ظلام كامل.
وقال ترامب: «أُطفئت أضواء كاراكاس تقريبًا… كان الظلام سلاحًا قاتلًا».
اقتحام المجمع… ومنع الهروب
عند الساعة 1:01 بعد منتصف الليل، وصلت قوة الاعتقال إلى مجمع فورت تيونا العسكري، حيث كان مادورو متحصنًا.
تحركت القوات بسرعة ودقة وانضباط، لكنها واجهت مقاومة عنيفة وإطلاق نار كثيف، أدى إلى إصابة إحدى المروحيات، رغم بقائها صالحة للطيران.
وفي لحظات حاسمة، حاول مادورو الوصول إلى ملاذه الآمن خلف أبواب فولاذية، إلا أن قوات دلتا سبقت خطوته الأخيرة.

وقال ترامب واصفًا المشهد: «كان على بُعد خطوات من الباب… لكنه لم يصل. رجالنا كانوا أسرع. كل شيء حُسم خلال ثوانٍ».
اعتقال رسمي ونقل إلى البحر
رافقت فريق الاقتحام وحدة من مكتب التحقيقات الفيدرالي، نظرًا لأن العملية نُفذت بموجب مذكرة توقيف فيدرالية تعود إلى عام 2020، تتعلق بتهم «إرهاب مرتبط بالمخدرات».
وبحلول الساعة 3:29 صباحًا، بدأت القوات الأمريكية الانسحاب، وسط اشتباكات دفاعية محدودة.
استسلم مادورو وزوجته سيليا فلوريس، ونُقلا جوًا إلى البحر الكاريبي، حيث وُضعا على متن حاملة الطائرات الأمريكية «يو إس إس إيو جيما»، تمهيدًا لنقلهما إلى نيويورك للمحاكمة.
حصيلة الضحايا ورسائل ما بعد الغارة
أكدت واشنطن عدم مقتل أي جندي أمريكي، رغم إصابة 6 جنود، فيما تحدثت مصادر فنزويلية عن مقتل ما لا يقل عن 40 شخصًا بين مدنيين وعسكريين.
ووصف وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، العملية بأنها «نُفذت بإتقان»، مؤكدًا أن الإدارة الأمريكية «جادة في مواجهة شبكات المخدرات والعصابات».
لكن اعتقال مادورو فتح بابًا واسعًا من التساؤلات حول مستقبل السلطة في فنزويلا.
وفي تصريح لافت، قال ترامب: «نحن موجودون الآن… وسندير البلاد»، مشيرًا إلى دخول الشركات الأمريكية، لا سيما في قطاع النفط، ومقللًا من المخاوف بشأن نشر قوات برية.
وفي ختام حديثه، اختصر ترامب العملية بجملة واحدة: «كل تفصيلة كانت محسوبة… لقد كانت ضربة مثالية».
