«دييغو غارسيا».. القاعدة التي تربك إيران وتقلق لندن
عادت جزيرة دييغو غارسيا إلى صدارة المشهد الجيوسياسي عقب تلويح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإمكانية استخدامها منصةً لشن ضربات محتملة ضد طهران.
تصريحات ترامب لم تُقرأ بوصفها مجرد رسالة ردع عابرة، بل كإشارة مباشرة إلى الثقل الاستراتيجي الذي تمثله هذه القاعدة النائية في الحسابات العسكرية الأمريكية.
فالجزيرة، التي تصفها دوائر الدفاع الغربية بـ“حاملة الطائرات الثابتة”، تمنح واشنطن قدرة استثنائية على بسط نفوذها العملياتي في قلب المحيط الهندي، وفق تقديرات صادرة عن مؤسسة تشاتام هاوس.
يتزامن هذا الحراك العسكري مع جدل سياسي وقانوني متصاعد بشأن اتفاقية عام 2025 التي تنص على نقل السيادة على أرخبيل تشاغوس من المملكة المتحدة إلى موريشيوس، مع احتفاظ لندن بحق استئجار القاعدة لمدة 99 عاماً.
وبينما وجّه ترامب انتقادات متكررة للاتفاق، معتبراً أن أي تعديل في الوضع القائم قد يقيّد حرية الحركة الأمريكية، عاد ليخفف من لهجته قبل أن يجدد تحفظاته، في دلالة على حساسية الملف داخل منظومة الأمن القومي الأمريكي وتشابكه مع اعتبارات النفوذ طويل الأمد في المنطقة.
فكرة أمريكية خالصة: ولادة قاعدة في زمن الحرب الباردة
تاريخياً، لم تكن القاعدة امتداداً مباشراً لإرث استعماري بريطاني بقدر ما كانت نتاج رؤية استراتيجية أمريكية تبلورت في ذروة الحرب الباردة.
ففي ستينيات القرن الماضي، ومع تصاعد موجات إنهاء الاستعمار وتنامي المخاوف من اضطراب خطوط الملاحة عبر قناة السويس ومضائق جنوب شرق آسيا، سعت واشنطن إلى إيجاد نقطة ارتكاز بعيدة عن بؤر التوتر وقادرة على تأمين حضور دائم في المحيط الهندي في حال اندلاع مواجهة مع الاتحاد السوفياتي أو الصين.
وقد شكّل الموقع الجغرافي للجزيرة - على مسافة تقارب 3000 كيلومتر من مضيقي باب المندب وملقا - ميزة استراتيجية تتيح مراقبة أحد أهم شرايين التجارة والطاقة بين الشرق الأوسط وآسيا.
وفي عام 1966، أُبرم اتفاق سري بين واشنطن ولندن ضمن إطار ما عُرف لاحقاً بـ“إقليم المحيط الهندي البريطاني”، مقابل ترتيبات مالية ضمنت للولايات المتحدة استخداماً عسكرياً طويل الأمد.
قدرات عسكرية عابرة للقارات
تحولت دييغو غارسيا، منذ ذلك الحين، إلى مركز عمليات متكامل عابر للقارات، فالجزيرة تضم مدرجاً قادراً على استقبال قاذفات بي-52 الاستراتيجية وطائرات التزود بالوقود كيه سي-135 وطائرات الاستطلاع والنقل الثقيل، إلى جانب منشآت تخزين وقود ضخمة وبنية رادارية متطورة.
كما يوفر ميناؤها العميق قدرة على استقبال حاملات الطائرات والمدمرات والغواصات النووية، ما يعزز دورها كعقدة لوجستية رئيسية للأسطول الأمريكي.
وقد لعبت القاعدة أدواراً محورية في حرب الخليج عام 1991، وغزو العراق عام 2003، والعمليات الجوية في أفغانستان، وصولاً إلى دعم عمليات عسكرية ضد الحوثيين في اليمن خلال عامي 2024 و2025، فضلاً عن ارتباطها بملفات حساسة في سياق “الحرب على الإرهاب”.
المحيط الهندي: ساحة تنافس متسارعة
غير أن أهمية دييغو غارسيا لا تُقرأ فقط في سياق التهديد الإيراني، بل في إطار التحول الأوسع الذي يشهده المحيط الهندي كساحة تنافس متصاعد بين قوى إقليمية ودولية.
فالهند، المرتبطة بعلاقات وثيقة مع موريشيوس، تعمل على تطوير منشآت عسكرية في جزيرة أغاليغا لتعزيز قدراتها في المراقبة والدوريات البحرية، ولا سيما عبر طائرات بي-8 الأمريكية الصنع.
كما تحافظ فرنسا على حضور عسكري معتبر في أقاليمها بالمحيط الهندي، من لا ريونيون إلى مايوت، في إطار استراتيجية ردعية تحمي مصالحها البحرية.
في المقابل، تمضي الصين في توسيع شبكة موانئها وشراكاتها البحرية من غوادر في باكستان إلى كياوكفيو في ميانمار، في إطار مقاربة تقوم على ترسيخ النفوذ الاقتصادي واللوجستي بعيداً عن المواجهة المباشرة.
ورغم المخاوف الغربية من إمكانية استثمار بكين لأي فراغ سياسي في ملف تشاغوس، يرى مراقبون أن متانة العلاقة بين الهند وموريشيوس تحدّ من فرص تحول الأرخبيل إلى موطئ قدم صيني مباشر. إلا أن الصين توظف الجدل القانوني المحيط بالقضية لإبراز ما تعتبره ازدواجية غربية في مقاربات السيادة، لا سيما في ضوء نزاعاتها في بحر الصين الجنوبي.
ومع تسارع دمج الطائرات المسيّرة والسفن ذاتية القيادة والأنظمة غير المأهولة في العقيدة العسكرية الأمريكية، يُتوقع أن تتعزز مكانة الجزيرة كمركز دعم لوجستي واستخباراتي متقدم يوفر عمقاً استراتيجياً بعيداً عن بؤر التوتر المباشر.
ويبقى البعد القانوني والإنساني أحد أكثر جوانب الملف حساسية. فقد ارتبط إنشاء القاعدة بتهجير سكان تشاغوس الأصليين خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وهو إرث لا يزال يلقي بظلاله على شرعية الوجود العسكري في الجزيرة ويغذي انتقادات حقوقية متواصلة.
وبينما ترى واشنطن أن أي تعديل في الوضع القانوني يجب ألا يمس بمرونة عملياتها، تخشى لندن من أن يُفسَّر أي تراجع عن اتفاق 2025 بوصفه تغليباً صريحاً للاعتبارات العسكرية على حساب مبادئ السيادة.
وبين اعتبارات الردع والتنافس الدولي وإرث القانون الدولي، تبدو “الحاملة الثابتة” مرشحة للبقاء في قلب الحسابات الأمريكية في المحيط الهندي لسنوات مقبلة.