خطة واشنطن لـ«إدارة» فنزويلا.. غموض ومخاطر ورهان على رودريغيز
لا تزال ملامح المرحلة المقبلة في فنزويلا غير واضحة، وسط تعقيدات سياسية وأمنية متشابكة، وتأكيد في واشنطن بـ"إدارة البلاد".
ورغم النجاح التكتيكي اللافت لعملية اعتقال الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، تتركز الأنظار على كيفية إدارة الولايات المتحدة لدولة بحجم فنزويلا في الأسابيع والأشهر المقبلة، بحسب صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية.
وبعد يوم واحد من إعلان ترامب «النصر» وتأكيده أن واشنطن ستتولى إدارة البلاد، بدا المشهد أكثر تعقيدًا مما توحي به التصريحات. إذ لا يزال حلفاء مادورو ممسكين بمفاصل السلطة في كاراكاس، ويشن بعضهم هجومًا حادًا على ما يصفونه بـ«الإمبريالية الأمريكية».
وفي المقابل، يجد قادة المعارضة أنفسهم في منفى فعلي، وجرى تهميشهم إلى حد كبير من قبل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في وقت تلمّح فيه واشنطن إلى احتمال تنفيذ عمليات عسكرية إضافية، ليس فقط في فنزويلا، بل أيضًا ضد خصوم آخرين في المنطقة، مثل كوبا وكولومبيا.
في واشنطن، بدا وزير الخارجية ماركو روبيو، المعروف بمواقفه المتشددة تجاه فنزويلا، في موقع الدفاع عندما طُلب منه، مرارًا، توضيح الكيفية التي ستضمن بها الولايات المتحدة السيطرة على الوضع دون الانزلاق إلى سيناريوهات احتلال طويل الأمد على غرار العراق وأفغانستان.

وقال روبيو، في مقابلة على قناة "إيه بي سي نيوز"، إن الإدارة «تتابع المسار الذي ستتخذه الأمور مستقبلًا»، مشيرًا إلى أن الضغط سيستمر عبر القيود المفروضة على تجارة النفط الفنزويلية.
وأوضح روبيو أن الهدف يتمثل في منع فنزويلا من اتخاذ أي خطوات تتعارض مع المصالح الأمريكية.
غير أن الرئيس ترامب قدّم لاحقًا رؤية مختلفة، إذ قال للصحفيين على متن طائرة الرئاسة «إير فورس ون»، أثناء عودته من فلوريدا، إن ما تسعى إليه إدارته هو «إصلاح قطاع النفط، وإصلاح البلاد، وإعادة إعمارها، ثم إجراء انتخابات».
كما أبدى تأييده لعمل عسكري محتمل في كولومبيا، معتبرًا أن كوبا «على وشك السقوط» دون تدخل أمريكي مباشر.
ورغم هذه التصريحات، لا تزال كيفية إدارة الولايات المتحدة للواقع الدبلوماسي المعقد في فنزويلا غير واضحة. فقد أشار ترامب إلى أن فريقًا من كبار المستشارين يعمل على التخطيط لمستقبل البلاد، إلا أن الأدوار والمسؤوليات داخل هذا الفريق لا تزال غامضة.
ورغم تولي روبيو هذا الملف شخصيًا، فإن ازدواجية مهامه كوزير للخارجية ومستشار للأمن القومي تجعل من الصعب عليه إدارة التفاصيل اليومية، بحسب مسؤولين أمريكيين.
ويأتي ذلك في وقت قلّصت فيه إدارة ترامب بشكل كبير بنية السياسة الخارجية الأمريكية، مع تخفيض أعداد موظفي مجلس الأمن القومي، وعدم تعيين مساعد لوزير الخارجية مختص بشؤون نصف الكرة الغربي.
توزيع أدوار
وفي هذا السياق، يدرس البيت الأبيض منح ستيفن ميلر، نائب رئيس موظفي البيت الأبيض ومستشار الأمن الداخلي، دورًا أكبر في الإشراف على مرحلة ما بعد مادورو، بحسب مصادر مطلعة.
ويُعد ميلر أحد مهندسي سياسات الهجرة الصارمة للإدارة، ولعب دورًا بارزًا في الجهود الرامية إلى الإطاحة بالرئيس الفنزويلي.
على الأرض في فنزويلا، اعترفت القوات المسلحة بديلسي رودريغيز، نائبة مادورو السابقة، رئيسةً بالوكالة.
وكانت رودريغيز قد تحدثت مع روبيو عقب عملية قوة دلتا التي أسفرت عن اعتقال مادورو وزوجته، في اتصال وصفه ترامب بـ«الودي».
وأصدرت رودريغيز بيانًا تصالحيًا مساء الأحد، دعت فيه إلى السلام والحوار، معربة عن أملها في العمل مع الولايات المتحدة على «أجندة تعاون».
غير أن مواقف داخل المؤسسة العسكرية جاءت أكثر حدة. فقد وصف وزير الدفاع الفنزويلي فلاديمير بادرينو لوبيز، اعتقال مادورو بأنه «اختطاف جبان»، مؤكدًا أن جزءًا كبيرًا من فريق حمايته قُتل «بدم بارد».
ودعا القوات المسلحة إلى التوحد في مواجهة ما سماه «العدوان الإمبريالي»، وضمان سيادة البلاد.
وفي المقابل، حذّر مسؤولون في إدارة ترامب من أن رودريغيز قد تواجه مزيدًا من العمليات العسكرية إذا لم تستجب للمطالب الأمريكية.
بل صرّح ترامب لمجلة «ذا أتلانتيك» بأن ثمن رفضها التعاون قد يكون «أكبر» من الثمن الذي دفعه مادورو، المحتجز حاليًا في نيويورك بتهم تتعلق بتهريب المخدرات والأسلحة.

غموض
ورغم عدم وجود قوات أمريكية برية داخل فنزويلا، فإن نحو اثنتي عشرة سفينة حربية، وعشرات الطائرات المقاتلة والمسيّرة وطائرات الاستطلاع، إضافة إلى نحو 15 ألف جندي، لا يزالون في منطقة البحر الكاريبي في حالة استعداد لأي تصعيد محتمل، وفق مسؤولين أمريكيين.
ويرى مراقبون أن واشنطن، باكتفائها باعتقال مادورو وزوجته، والسماح لبقية الحكومة بالبقاء، تحاول تجنب الانخراط في احتلال عسكري طويل الأمد وما يرافقه من تبعات قانونية وسياسية.
وفي الخلفية، يظل قطاع النفط محورًا أساسيًا في حسابات واشنطن. فبينما تعمل بالفعل شركات غربية كبرى في فنزويلا، مثل شيفرون وريبسول وإيني، لا تزال الصين المشتري الأكبر للنفط الفنزويلي بأسعار مخفضة.
ويؤكد خبراء أن أي استثمارات جديدة ستظل مرهونة بتوافر الأمن والاستقرار على المدى الطويل، وهو عامل لا يزال، حتى الآن، موضع شك كبير في بلد يعيش واحدة من أكثر مراحله السياسية غموضًا واضطرابًا.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQ3IA== جزيرة ام اند امز