عيوبه «ثقيل ولزج».. لماذا يثير نفط فنزويلا شهية «المصافي العتيقة» بأمريكا؟
يتجمع على طول ساحل خليج أمريكا (خليج المكسيك سابقا) بعضٌ من أكبر مصافي النفط الثقيل وأكثرها تعقيدًا في العالم.
هذه المراكز الصناعية مترامية الأطراف، المملوكة لشركات نفط أمريكية كبرى، على أهبة الاستعداد لتكون من أبرز المستفيدين من حملة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على فنزويلا.
وتُعدّ هذه المصافي، من بعض النواحي، إرثًا من زمن مضى، فقد بُنيت لمعالجة النفط الخام الثقيل واللزج المستورد من أمريكا اللاتينية قبل طفرة النفط الصخري الأمريكي الأخف وزنًا في مطلع هذا القرن.
ميزات النفط الفنزويلي بالنسبة للأمريكيين
يتسم النفط الفنزويلي بكونه عالي الكبريت وكثافته العالية ولزوجته الشديدة، وهو في حالته الخام يشبه القطران شبه الصلب (المستخدم رصف الطرق)، مقارنة بالسوائل الأكثر صفاءً المنتجة في قلب صناعة النفط الصخري الأمريكي، مما يجعل استخراجه ومعالجته لإنتاج البنزين والديزل ووقود الطائرات والمواد الخام لصناعة الكيماويات أكثر صعوبة.
ولكن هذا تحديدًا ما بُنيت العديد من المصافي في الولايات المتحدة لمعالجته.
ونتيجةً لذلك، لا تزال الولايات المتحدة مستوردًا رئيسيًا للنفط الخام لتغذية مصافيها، على الرغم من كونها واحدة من أكبر مصدري النفط في العالم.
سعر جذاب
والحصول على النفط الخام الفنزويلي بسعر جذاب قد يلعب دوراً مهماً في إشباع شهية ترامب للطاقة الرخيصة لتغذية "إعادة التصنيع" للاقتصاد الأمريكي.
وقال جانيف شاه، نائب رئيس شركة ريستاد إنرجي، وهي شركة استشارات عالمية، في تصريحات لصحيفة الغارديان: "معظم إمدادات النفط الخام في فنزويلا هي نفط ثقيل وحامض، وهو من أفضل أنواع النفط الخام التي يمكن أن يطلبها مُصنّعو النفط الأمريكيون".
وأضاف: "في الوقت الحالي، تستورد مصافي التكرير الأمريكية النفط الخام الثقيل عبر خط أنابيب من كندا، كما تتوفر خيارات أخرى من النفط الخام الثقيل من كولومبيا والمكسيك، لكن تأمين النفط الخام الفنزويلي سيُضيف إلى هذه الخيارات، كما أن قرب فنزويلا الجغرافي يُساعد أيضاً".
حماية صناعة النفط الأمريكية
وقد يُساهم ذلك في حماية صناعة النفط الأمريكية، التي عانت رغم دعم البيت الأبيض لها، من أكبر انخفاض في أسعار النفط العالمية منذ ما قبل جائحة 2020، والذي تفاقم بسبب التداعيات الاقتصادية للحرب التجارية التي شنّها ترامب.
وتُوفر مصافي التكرير الأمريكية حوالي 3 ملايين وظيفة، رغم أن عدد العاملين فيها لا يتجاوز 80 ألف شخص.
ويُعدّ هذا القطاع صاحب أعلى نسبة مضاعفة للوظائف بين جميع القطاعات في الولايات المتحدة، ما يعني أنه مقابل كل وظيفة مباشرة فيه، يتم دعم أكثر من 45 وظيفة أخرى، وفقًا لدراسة أجرتها مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس.
![]()
ويعكس هذا "الإنتاجية العالية الاستثنائية للعمالة في هذا القطاع، وأثره الاقتصادي الكبير"، والذي غالبًا ما يتركز جغرافيًا في ولايات موالية لترامب.
لكن خلال فترة رئاسة نيكولاس مادورو، انخفضت واردات النفط الخام الفنزويلي إلى مصافي التكرير الأمريكية، نتيجةً لإهمال قطاع النفط في الدولة الواقعة في أمريكا الجنوبية وانتشار الفساد فيه، فضلًا عن دخول العقوبات الأمريكية المفروضة على النظام حيز التنفيذ.
كيف يمكن مقارنة النفط الفنزويلي مع أقرانه؟
أولا، توجد عدة نقاط تقنية مهمة يجب التعرف عليها، لفهم الفروق بين أنواع خام النفط من أنحاء العالم، وتشمل ما يلي من تعريفات:
وفق ما ذكره موقع شركة Ametheus USA Corporation INC التي تعمل في التجارة العالمية للسلع الأساسية، بما فيها النفط الخام ومنتجات الطاقة، فإن الـ API هي درجة قياس مدى كثافة النفط الخام مقارنة بالماء، وكلما ارتفعت درجة API كان النفط أخف وأعلى جودة وأسهل في التكرير.
وخامات فنزويلا عادة ما تكون أقل من 20 API، وهي تعد بذلك ثقيلة أو فائقة الثقل.
هناك أيضا، درجة الكبريت، الذي يزيد من تكلفة التكرير ويتطلب وحدات معالجة إضافية لإنتاج وقود نظيف، والخام الثقيل الفنزويلي عادة ما تكون به درجة مرتفعة من الكبريت مقارنة بخامات مثل خام غرب تكساس الوسيط (WTI).
ودائما ما يكون الخام الأخف والأقل كبريتًا (مثل WTI) يميل لأن يحقق أسعارًا أعلى بنسب أكبر في السوق العالمية، بينما الخام الثقيل يعوّض ذلك أحيانًا عبر خصومات سعرية وتطبيقات صناعية خاصة.

ماذا عن أنواع خام النفط الأخرى؟
استنادا لنقاط المقارنة التقنية السابقة، يقول موقع Ametheus، إن درجة الـ API لأنواع خام نفط أخرى مقارنة بخام فنزويلا تأتي كما يلي:
خام برنت، يتمتع بدرجة API تتراوح بين 38 و 40 درجة، مع درجة كبريت منخفض إلى متوسط، ويتمتع بسهولة نسبية في عملية التكرير، فهو خام “سهل” نسبيًا ومفضل عالميًا كمؤشر سعر.
خام غرب تكساس الوسيط، أو خام WTI، يتمتع بدرجة API تتراوح بين 39 و 42 درجة، مع درجة كبريت منخفض، ويتمتع بسهولة نسبية في عملية التكرير، فهو خام “حلو” وسهل التكرير لإنتاج البنزين والديزل بجودة عالية.
الخام العربي الخفيف / المتوسط، والذي يكون عادة النفط السعودي، يتمتع بدرجة API تتراوح بين 30 و 36 درجة، مع درجة كبريت متوسط، ويتسم بدرجة صعوبة متوسطة في عملية التكرير، وهو خام مناسب لمعظم المصافي التقليدية.
معدل تكرير أمريكي هائل متوقع لنفط فنزويلا
وفي أواخر التسعينيات، بلغت واردات الولايات المتحدة من النفط الخام الفنزويلي ما يقارب مليوني برميل يوميًا، أي أكثر من نصف إنتاج الدولة الواقعة في أمريكا الجنوبية.
وفي نهاية العام الماضي، انخفضت واردات الولايات المتحدة من فنزويلا إلى 135 ألف برميل فقط يوميًا بحسب تقرير الغارديان.
ويشير هذا إلى أن مصافي التكرير الأمريكية كانت ولاتزال قادرة على استيعاب مليون برميل إضافي يوميًا من فنزويلا، وفقًا لمحللين في شركة "إنرجي أسبيكتس"، مما يساعد الولايات المتحدة على تقليل اعتمادها على واردات النفط الخام الثقيل الأكثر تكلفة من كندا.
وقد يُحوّل هذا الأمر صادرات النفط الثقيل الفنزويلي الأرخص سعرًا بعيدًا عن الصين، التي استوعبت معظم إنتاج البلاد من النفط الخام منذ أن فرضت الولايات المتحدة عقوبات على صادراتها كتعويض عن مليارات الدولارات من الدعم المالي الذي قدمته للحكومة الفنزويلية خلال السنوات الأخيرة.
ورغم أن هذه الواردات تمثل جزءًا صغيرًا من استهلاك الصين من النفط، والذي يمكن تعويضه بسهولة من مصادر أخرى، إلا أن السيطرة الأمريكية على النفط الفنزويلي، سيجبر الصين على دفع سعر أعلى للطاقة في وقت يسعى فيه كلا الاقتصادين العملاقين إلى الحصول على أرخص طاقة ممكنة لدعم النمو الاقتصادي.