نفط فنزويلا.. حماية لأمن الطاقة الأمريكي أم مخاطرة سياسية؟
يبدو للوهلة الأولى أن السيطرة على نفط فنزويلا، صاحبة أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، قد تمثل مكسبا مباشرا لأمن الطاقة الأمريكي.
لكن نظرة أعمق تكشف أن هذا الطرح، الذي يطفو أحيانا في الخطاب السياسي، ينطوي على مخاطر استراتيجية قد تقوض ما يسعى إلى حمايته، وتضع الولايات المتحدة أمام تعقيدات اقتصادية وجيوسياسية غير محسوبة.
وفقا لتقرير مجلة فورين بوليسي، تمتلك فنزويلا ثروة نفطية هائلة، لكن هذه الثروة لا تُترجم تلقائيًا إلى إمدادات جاهزة.
يعاني قطاع النفط الفنزويلي منذ سنوات من تراجع حاد نتيجة سوء الإدارة، ونقص الاستثمارات، والعقوبات، وهجرة الكفاءات. وإعادة تشغيل هذا القطاع بكفاءة تتطلب استثمارات ضخمة تمتد لسنوات، وربما لعقد كامل، قبل أن يعود الإنتاج إلى مستويات مؤثرة في السوق العالمية. من هنا، يبدو الرهان على نفط فنزويلا كحل سريع لأي أزمة طاقة أمريكية أقرب إلى الوهم منه إلى الواقع.

الأهم من ذلك أن مفهوم أمن الطاقة الأمريكي تغيّر جذريًا خلال العقد الأخير. فالولايات المتحدة اليوم ليست مستوردًا ضعيفًا يعتمد على مصادر خارجية محدودة، بل أصبحت لاعبًا رئيسيًا في الإنتاج بفضل ثورة النفط والغاز الصخري. وأمنها الطاقي لم يعد قائمًا على امتلاك أو التحكم في موارد الآخرين، بل على مرونة الأسواق العالمية وقدرتها على امتصاص الصدمات عبر تنوع المصادر وسلاسة التجارة.

محاولة “أخذ” نفط دولة أخرى، سواء عبر ضغوط سياسية أو ترتيبات قسرية، تحمل مخاطر تتجاوز الحسابات النفطية. فهي ترسل إشارة سلبية إلى الأسواق والدول المنتجة مفادها أن الموارد يمكن أن تتحول إلى أدوات صراع، لا إلى سلع تخضع لقواعد السوق.
وقد يدفع هذا النهج دولًا أخرى إلى إعادة النظر في شراكاتها أو إلى تبني سياسات حمائية وانتقامية، ما يضعف النظام العالمي المفتوح الذي تستفيد منه الولايات المتحدة نفسها.

كما أن ربط أمن الطاقة بالسيطرة على موارد بعينها يتجاهل حقيقة أن أسعار النفط تُحدد عالميًا. حتى لو زادت الإمدادات الفنزويلية مستقبلًا، فإن تأثيرها سيكون موزعًا على السوق الدولية، لا محصورًا في خدمة طرف واحد.
في المقابل، أي اضطراب سياسي أو قانوني ناتج عن محاولة الاستحواذ قد يرفع مستوى المخاطر ويؤدي إلى تقلبات سعرية تضر بالمستهلكين والشركات الأمريكية.

والأكثر واقعية هو أن مصلحة الولايات المتحدة تكمن في دعم بيئة مستقرة تسمح لفنزويلا بإعادة بناء قطاعها النفطي ضمن إطار قانوني واستثماري واضح. وعودة فنزويلا إلى السوق العالمية كمنتج طبيعي، لا كغنيمة سياسية، تعزز استقرار الإمدادات وتخدم الأمن الطاقي العالمي، بما في ذلك الأمريكي.

واختتم التقرير بأن أمن الطاقة لا يُبنى بالقوة أو بالاستحواذ، بل بالأسواق المفتوحة، والاستثمار طويل الأجل، واحترام القواعد الدولية. وأي محاولة لاختصار الطريق عبر “أخذ” نفط فنزويلا قد تنتهي بإضعاف ما يُراد حمايته.
