يُفضّل بعض المراقبين توصيف المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران بوصفها «عمليات عسكرية محدودة» وليس «حربًا شاملة»، باعتبارها تستهدف بنية النظام الإيراني وأدواته العسكرية أكثر من استهداف الدولة أو المجتمع الإيراني.
ويذهب هذا الطرح إلى أن الهدف الاستراتيجي يتجاوز الضربات التكتيكية، ليصل إلى تغيير النظام السياسي ودفعه نحو معادلة سياسية جديدة تحدد مستقبله الداخلي حسب الشعب الإيراني وموقعه الإقليمي في عالم العلاقات الدولية عبر مبدأ الدولة القطرية القومية.
أولاً: حسابات خاطئة أم فجوة في تقدير الموقف؟
شكّلت العمليات العسكرية المشتركة التي بدأت في 28 فبراير 2026 مفاجأة لطهران، التي كانت تراهن على استمرار المسار التفاوضي. فقد اعتقدت القيادة الإيرانية المفاوضة بأنها تمتلك هامش مناورة يسمح لها بحصر النقاش في برنامجها النووي، مع استبعاد ملف الصواريخ الباليستية وشبكة الحلفاء الإقليميين -المليشيات والساسة العراقيين الموالين لها من أي مفاوضات مباشرة مع واشنطن.
هذا التقدير عكس فجوة في قراءة الأولويات الأمريكية؛ إذ ترى واشنطن أن عناصر القوة الإيرانية مترابطة البرنامج النووي، الصواريخ الباليستية، والنفوذ الإقليمي. وقد أشار محللون أمنيون، من بينهم ويليام ألبرك، المسؤول السابق في الناتو والزميل البارز حاليًا في منتدى المحيط الهادئ، إلى أن إيقاع التفاوض كان بطيئًا بمعايير الولايات المتحدة، بينما اعتبرته طهران تقدمًا تدريجيًا مقبولًا. هذا الاختلاف في تقدير الزمن السياسي والاستراتيجي أسهم في انهيار المسار الدبلوماسي.
ثانيًا: الأهداف الأمريكية ومنطق الردع
تنطلق الاستراتيجية الأمريكية من منع تشكل قوة إقليمية مهيمنة قادرة على تهديد أمن الخليج والمصالح الأمريكية والغربية، وفي مقدمتها أمن إسرائيل. فاقتراب إيران من مستوى تخصيب مرتفع بعد انهيار اتفاق 2015 يعيد إحياء معضلة «زمن الاختراق النووي» ويزيد من احتمالات سباق تسلح إقليمي. فمن منظور الواقعية السياسية، تقوم الحسابات الأمريكية بأن تحول إيران إلى دولة نووية عسكرية يحتم عليها خلق قوة نووية مضادة في منطقة الخليج لتحقيق وضع الردع المتبادل، لذا واشنطن تعمل على منع الخصم/النظام الإيراني من بلوغ نقطة تجعل تكلفة احتوائه أعلى من تكلفة مواجهته مبكرًا.
ثالثًا: الرد الإيراني واتساع دائرة المخاطر
جاء الرد الإيراني باستهداف مواقع مرتبطة بوجود عسكري أمريكي في دول خليجية عربية، ولكن كان العديد منها موجها إلى مواقع مدنية وحيوية، صحيح هناك صواريخ موجه لإسرائيل محدودة الأثرة، ووصلت الصواريخ إلى شواطئ اليونان الدولة الأوروبية أيضًا، كما أن التهديدات الإيرانية تتسع نحو مضيق هرمز. هذا التوجه يحمل أبعادًا مزدوجة، فهو يهدف إلى إيصال رسالة ردع لواشنطن، لكنه في الوقت ذاته يضع دول الجوار في قلب المواجهة، ويجعل واشنطن في نفس الوقت أكثر قوة وحجة في استمرار العمليات العسكرية.
حقيقةً، توسيع الحرب أو العمليات العسكرية لا يهدد بتحويل المواجهة إلى حرب إقليمية ودولية مفتوحة، بل سيجعل المجتمع الدولي أكثر إصرارا في مسألة حتمية تغيير النظام الإيراني الحاكم، خاصةً مع بروز تصور مستقبلي لهذا النظام يتساءل: كيف كان سيبدو المشهد لو كانت إيران بالفعل دولة نووية؟ هذا السؤال يفسر جانبًا من الإصرار الأمريكي على منع الوصول إلى تلك المرحلة.
رابعًا: الداخل الإيراني وضغوط الواقع
يواجه النظام الإيراني تحديات داخلية معقدة، أزمة اقتصادية ممتدة، فجوة متنامية بين الدولة والجيل الجديد، إرهاق اجتماعي وشعبي من العزلة الدولية، وانقسام سياسي اجتماعي داخلي كبير، وأيضا هناك بطالة ضخمة في المجتمع مقابل هيمنة مؤسسات شبه عسكرية على قطاعات اقتصادية وضعف شرعية النظام.
كما أن تراجع نفوذ طهران في بعض الساحات الإقليمية مثل سوريا ولبنان يزيد من الضغط على صانع القرار، ناهيك بأن النظام الإيراني خسر قيادات عسكرية ودينية مع تدمير لمنشآت عسكرية منذ بداية الحرب. هذه المعطيات قد تدفع القيادة الإيرانية إلى البحث عن مخرج سياسي ليس لحفظ تماسك النظام، بل لحفظ وحدة الأراضي الإيرانية من التمزق إلى دويلات بعد رحيل النظام، وهذا التحول الداخلي يبقى رهينًا بتوازنات معقدة بين مؤسسات النظام وخاصة العسكرية، والنخب السياسية والحراك الاجتماعي وهويات الشعب الإيراني.
خامسًا: دول الخليج بين الدفاع والوساطة
أثبتت دول الخليج قدرتها الدفاعية في احتواء الهجمات وحماية بنيتها الحيوية، لكنها في الوقت ذاته تمتلك مصلحة استراتيجية في منع تحول الصراع إلى حرب طويلة الأمد. فاستقرار الخليج ليس فقط ضرورة أمنية، بل ركيزة للاقتصاد العالمي وأمن الطاقة. ومن هنا تلعب بعض العواصم الخليجية دورًا مزدوجًا من تعزيز الردع الدفاعي من جهة، وفتح قنوات لخفض التصعيد من جهة أخرى، بما يحول دون انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة، وإيجاد تفاهم حول مستقبل إيران ووحدة أراضيه.
الخاتمة
المواجهة الراهنة ليست مجرد تبادل ضربات عسكرية، بل اختبار لإرادات سياسية وحسابات ردع معقدة. فبين منطق القوة وحدود التغيير السياسي، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تقود الحرب أو العمليات العسكرية إلى تعديل السلوك الاستراتيجي لطهران برحيل النظام والتمهيد إلى تشكيل الدولة الإيرانية من جديد عبر دولة ملكية علمانية برلمانية أو جمهورية علمانية، هذا ما سوف تجيب عنه الأيام القادمة.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة