هذه مقدمة وخلاصة لمقالٍ كتبته قبل عامين، أعود إليه اليوم، بعدما فرضت الحربُ الجارية إيقاعها على المنطقة، وكشفت—مرةً أخرى—معادن الدول كما تكشف النار خبايا الذهب.
ما كان يومها تأملًا شخصيًا في معنى الاستقرار، صار اليوم شهادةً حيّةً على واقعٍ رأيناه بأعيننا: عاصفةٌ تعبر الجوار، ووطنٌ ثابتٌ في مكانه، مطمئنٌ إلى جاهزيته، واثقٌ بمؤسساته، حارسٌ لسكينته.
في زمنٍ تتبدّل فيه خرائط الطمأنينة، وتتحول فيه مدنٌ عامرة إلى مساحات قلقٍ وترقّب، يتبيّن أن أفضل الأوطان ليس ذاك الذي يمنحك الرخاء في أوقات السلم فحسب، بل الذي يحميك حين تختبره الشدائد. الوطن الحقّ هو الذي يجعلك، وأنت تتابع نشرات الأخبار الثقيلة، تشعر أنك على الكوكب المناسب، وفي المكان الصحيح، سواء في لحظة الازدهار أو في ساعة الخطر.
لقد حاولت هذه الحرب أن تُربك المنطقة، وأن تُدخل القلق إلى كل بيت. لكن ما رأيناه في الإمارات كان درسًا آخر في معنى الدولة: استعدادٌ لا يرتجل، وقرارٌ لا يتأخر، ومؤسساتٌ تتحرك بثقة العارف، ومجتمعٌ يمضي في حياته اليومية بطمأنينةٍ لا تصطنع. المواطن والمقيم والسائح، جميعهم شعروا بأنهم في كنف وطنٍ لا يفرّق بين من يحمل جوازه ومن يحمل حلمه إليه، وطن يضمّهم في راحتيه إن أقبلت العاصفة، كما يفتح لهم ذراعيه في مواسم الفرح.
من هنا، أستعيد ذلك المقال الذي كتبته قبل عامين وأنا أتمّ عشرين عامًا في مضارب “بني ياس”. أستعيده اليوم لأن الحرب أكدت لي—ولكثيرين—أن الشعور الذي وصفته آنذاك لم يكن انطباعًا عابرًا، بل يقينًا يتجدد كلما اشتدّ الاختبار.
حين أتممتُ عشرين سنةً في مضارب “بني ياس”، مرّت دون أن أشعر بطولها وبما أخذته من شرخ الشباب. وهكذا هي الأمكنة الخلّاقة الودودة، ومنازل الحياة الرخية، والأوطان التي يحملك الاستقرار فيها على نقض خيمتك المتنقلة، ورمي أوتادها، وتسريح إبل الرحلة وطمْر رماد النار.
وإذا ما حانت تلك الساعة التي تُقرر فيها المضيّ في خيار الاستيطان فيما كنت تعتبره مهجرًا وأضحى وطنًا، فلا مفرّ من إفراغ صناديق الذكريات التي أعياك حملها لعقود، لتستوطن معك على رفٍّ تتأمله كلما عدت من عملك، وتنظر من خلالها إلى الطريق الطويل الذي قطعته حتى وصلت بك الرحلة إلى أكثر الواحات رخاءً وطمأنينة.
منذ أبصرت الحياة لم تستقر أعمدة خيمتي في أي من عرصات الرمال المتحركة التي حاولت غرسها فيها. أبقيت عزم الرحلة في نفسي، وجبت المدن والبلدات والصحارى وشواطئ البحار بحثًا عن مضارب تشبه تلك التي لفظتني. حتى أتى القدر المحتوم الذي رمى بي وسط واحات قبيلة بني ياس… وما أدراك ما بنو ياس.
لم أفهم يومها عبارة أستاذي الكبير إبراهيم الكوني، وهو يردد على مسامعي: “الصحراء هي الصحراء أينما وُجدت… وإنسان الصحراء هو ذاته، أينما وجدته وجدت الأصالة والحفاوة”. كان يحرضني على البقاء قرب واحات ليوا، وكأنما كان يرى في هذه الأرض امتدادًا لروح الصحراء الكبرى، بكل ما فيها من كرم ونجدة ووفاء.
ظننت، كما ظننت في أمكنة سابقة، أن إقامتي لن تطول. إن عامين أو ثلاثة تكفيان لأحزم الرحيل من جديد. لكن المكان أمسك بي دون أن أكون عازمًا على التمسك به حينها. كان يحتويني بهدوء، ويتركني أكتشفه على مهل، حتى صار الرحيل عنه ضربًا من العبث.
لم تكن الأبنية الشاهقة ولا الشوارع الفسيحة ولا مظاهر التقدم هي ما أسرني، بل روح المكان وفلسفته. رأيت تواضعًا لا يُتكلّف، ورأيت قادة يسيرون بين الناس بلا مواكب، يجلسون على موائد العامة، ويصافحون الصغار قبل الكبار. رأيت نموذجًا في الحكم لا يقوم على المسافة، بل على القرب؛ لا على الاستعراض، بل على الخدمة.
ثم رأينا الأفعال حين نزلت النوائب. في الأوبئة، في الكوارث، واليوم في زمن الحرب، رأينا كيف تتحول القيادة إلى درع، والمؤسسات إلى شبكة أمان، والمجتمع إلى جسدٍ واحد. رأينا كيف تُحاط الناس إحاطة السوار بالمعصم، حمايةً من كل ما قد يعكر صفو حياتهم، أو يزرع فيهم خوفًا أو فوضى.
وما كان ذلك وليد صدفة. فقد تربّت هذه الأرض على يد معلمٍ جمع شتاتها، وبنى أساس وجودها، ورسم لها طريق صعودها: الشيخ زايد، طيب الله ثراه، الذي لم يؤسس دولةً فحسب، بل أسس فلسفة في الحكم، قوامها الإنسان أولًا، وكرامته وأمنه قبل كل شيء. وسار خلفاؤه على النهج ذاته، فصار الأمان ثقافةً لا إجراء، ورؤيةً لا ردّ فعل.
فتحت بني ياس مرابعها للنازلين بها، وساوت بينهم في الفرص والحقوق ونفاذ القانون. لم يكن القادم إليها مجرد وافدٍ يعمل، بل شريكًا في الحلم. حتى إذا رسخ قدمه، وجد الأبواب تُفتح أمامه أكثر، بالإقامة الذهبية أو بما هو أسمى من ذلك: الشعور بالانتماء.
عشرون عامًا مرّت كلمح البصر في هذه المضارب الخصبة التي تديرها أيدٍ ندية بالكرم وقلوب عامرة بالشجاعة والتواضع. واليوم، بعد أن مرّت العاصفة من حولنا، أدركت أن ما كتبته آنذاك لم يكن وصفًا لماضٍ جميل، بل قراءةً لمستقبلٍ أثبت نفسه.
أن تكون إماراتيًا—قانونًا أو وجدانًا—هو أن تعيش في وطنٍ يحميك في الرخاء كما في الشدة، وطنٍ يجعلك مطمئنًا وأنت ترى العالم من حولك مضطربًا، فتقول في نفسك، بثقةٍ لا تحتاج إلى إعلان: نعم، أنا في المكان الصحيح.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة