شهدت دولة الإمارات العربية المتحدة وعدد من الدول الخليجية في الأيام الأخيرة تصعيدًا خطيرًا تمثل في اعتداءات مباشرة وغير مباشرة ارتبطت بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة، في سياق إقليمي بالغ الحساسية.
وقد بدا هذا السلوك عدوانًا سافرًا يتعارض مع مبادئ حسن الجوار وقواعد القانون الدولي التي تحظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سيادة الدول وسلامة أراضيها.
لقد حرصت الإمارات، إلى جانب شركائها في مجلس التعاون الخليجي، على بذل جهود واضحة لتجنيب المنطقة الانزلاق إلى مواجهة شاملة. فقد اختارت نهج التهدئة، وفتحت قنوات التواصل، وأكدت في أكثر من مناسبة أن استقرار الخليج أولوية استراتيجية تتجاوز الحسابات الظرفية. كما سعت إلى تجنيب إيران تداعيات أي تصعيد محتمل، إدراكًا منها لحساسية اللحظة الإقليمية وتعقيداتها الدولية.
غير أن الاعتداءات الأخيرة شكّلت اختبارًا مباشرًا لأمن الإمارات. وفي هذا السياق، ضربت الدولة مثالًا واضحًا في الذود عن أمنها، من خلال التصدي الفاعل للصواريخ والطائرات المسيّرة عبر منظومات دفاع جوي متقدمة أثبتت كفاءتها في حماية المنشآت الحيوية والمناطق المدنية. وقد عكس ذلك مستوى عالياً من الجاهزية والاحترافية، ورسّخ رسالة حازمة مفادها أن أمن الإمارات خط أحمر لا يقبل المساومة.
وفي المقابل، لم تؤدِ هذه التطورات إلا إلى فقدان إيران مزيدًا من الثقة من محيطها الإقليمي، وتعميق عزلتها السياسية والاستراتيجية. فبدل أن تسهم في بناء بيئة تعاون قائمة على المصالح المشتركة، اختارت مسارًا يزيد من حدة التوتر ويقوّض فرص الشراكة الإقليمية. وكان الأجدر بها أن تنخرط في مسار حقيقي لإحلال السلام والعمل مع دول الخليج على صياغة ترتيبات أمنية جماعية تضمن الاستقرار وتمنع الانزلاق نحو صراعات مفتوحة لا رابح فيها.
إن استمرار سياسة ضبط النفس من قبل الإمارات ودول الخليج، رغم خطورة الاعتداءات، يعكس نضجًا سياسيًا ورؤية استراتيجية بعيدة المدى. غير أن ضبط النفس لا يعني القبول بالأمر الواقع، بل هو موقف مسؤول يوازن بين التهدئة والحزم، مع الاحتفاظ الكامل بحق الرد المشروع في الزمان والمكان والطريقة التي تقتضيها حماية الأمن الوطني، وفق ما يكفله ميثاق الأمم المتحدة من حق الدفاع عن النفس.
إن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يُبنى على منطق الصواريخ والمسيّرات، بل على أسس الثقة المتبادلة واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. وإذا كانت الإمارات قد قدمت نموذجًا في الجمع بين الجاهزية الدفاعية وضبط النفس السياسي، فإنها في الوقت ذاته تؤكد أن الاعتداء لن يمر دون مساءلة، وأن خيار السلام يظل قائمًا لمن يختار طريقه، لكن مع وضوح لا لبس فيه بأن حماية السيادة والأمن الوطني حق ثابت لا يُنتقص، وأن دول الخليج قادرة على الدفاع عن استقرارها بكل الوسائل المشروعة.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة