سياسة

واشنطن – أنقرة.. ماذا بعد فشل المفاوضات؟

الأربعاء 2019.1.9 04:56 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 584قراءة
  • 0 تعليق
د . سمير صالحة

"يبدو أن أنقرة لم تتقبل بعد حقيقة تسلم الصقور لمهام الإدارة وصناعة القرار في البيت الأبيض، وأن كل رسائل التصعيد الأمريكي مقدمة لخطوات حاسمة باتجاه الرد على المواقف والسياسات التركية التي تهدد مصالح واشنطن وحلفاءها في المنطقة". هذه العبارة قلناها هنا في منتصف شهر مايو/أيار العام المنصرم، لكن ترجمتها العملية كانت تحتاج على ما يبدو إلى المزيد من الوقت والمواقف، وريثما يعرج مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون على العاصمة التركية قبل يومين؛ لبحث موضوع سحب القوات الأمريكية من سوريا، وما يمكن أن يتم الاتفاق عليه بين الجانبين بهذا الخصوص.

لم يستقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المستشار بولتون والوفد الأمريكي الذي كان يمنّي النفس ربما ببادرة من هذا النوع. لماذا يفعل ذلك وهو يكتشف أن المحادثات بين الوفدين التركي والأمريكي وصلت إلى طريق مسدود؟

خيبة أمل كبيرة في صفوف بعض الإعلاميين الأتراك الذين تسرعوا في الإعلان أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانسحاب من سوريا كان في الحقيقة يعني الانسحاب من أمام تركيا في سوريا والمنطقة. وها هم يرددون الآن أن واشنطن تخون العهد وتقول إن شرط انسحابها هو ضمان أنقرة أمن وحدات حماية الشعب

بولتون فشل في مهمته ولم يلق تجاوبا من الأتراك مع مطالب وطروحات البيت الأبيض، وأردوغان لم يستقبله هو ورئيس الأركان الأمريكي جوزف دانفورد وجيمس جيفري منسق عمليات التحالف الدولي في سوريا. هي رسالة شبه واضحة حول أن المحادثات كانت فاشلة، ونحن نتابع طريقة مغادرة الوفد الأمريكي على عجل لركوب طائرة العودة بُعَيْد انتهاء اجتماعه بالناطق الرسمي باسم رئاسة الجمهورية التركية إبراهيم كالين.

المكتوب كان يقرأ من عنوانه وعلى ضوء الرسائل الأمريكية في الأيام الأخيرة. أما في أنقرة فالمؤشر الأول حول وصول المحادثات إلى طريق مسدود أعطاه دولت بهشلي رئيس حزب الحركة القومية التركي حليف حزب العدالة والتنمية في هذه المرحلة وشريكه في الانتخابات المحلية المرتقبة بعد 3 أشهر، عندما أكد أمام كتلته البرلمانية صباح الثلاثاء باكرا، ضرورة أن تدخل القوات التركية منطقة شرق الفرات بسوريا من أجل إحقاق الحق ونصرة المظلومين هناك دون الاكتراث لما تقوله الولايات المتحدة وغيرها.

المؤشر الثاني أعطاه أردوغان عندما قال هو الآخر أمام كتلة نواب حزب العدالة البرلمانية في اجتماعها الأسبوعي إن ما ذكره بولتون من إسرائيل حول حماية الأكراد في سوريا، وعدم رغبة واشنطن بأي تحرك عسكري تركي ضدهم هناك لا يتفق مع مفهوم الشراكة والتحالف بين البلدين، وإن "الادعاء بأن تنظيماً إرهابيًّا يمثل الأكراد في سوريا هو في المقام الأول إساءة لإخواننا الأكراد".

أي نوع من التفاهمات هو بين الرئيسين الأمريكي والتركي قبل أسبوعين حول قرار سحب الجنود الأمريكيين من سوريا وإطلاق يد القوات التركية في عملية عسكرية واسعة ضد مجموعات داعش، ومستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الأمن القومي جون بولتون يعلن من تل أبيب وقبل ساعات من قدومه لأنقرة: "لا نريد أن تنفذ تركيا عملية عسكرية في سوريا دون تنسيق كامل معنا"، ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو يردد أن "الولايات المتحدة تعمل على ضمان عدم قيام الأتراك بقتل الأكراد في سوريا"، وأكثر من قيادي أمريكي يعلن أنه ليس هناك جدول زمني للانسحاب من سوريا. الانسحاب مرتبط بتطهير المنطقة من فلول داعش وضمان تركيا أمن المقاتلين الأكراد، حلفاء الولايات المتحدة، وأنه لا انسحابات قبل التفاهم حول العديد من النقاط العالقة التي تقلق واشنطن وتريد ضمانات حولها، وأن الإدارة الأمريكية تتمسك بفكرة إنشاء المنطقة العازلة في مناطق الحدود التركية السورية، وأن ما تريده واشنطن من أنقرة هو أن تكون عملياتها العسكرية ضد مجموعات تنظيم داعش وحدها، وأن تطلعها على كافة تفاصيل عملياتها العسكريةـ وأن تتراجع عن التنسيق مع روسيا وإيران في سوريا، وألا تسرع أنقرة في موضوع مطالبة واشنطن باسترداد السلاح المقدم إلى مجموعات قوات سوريا الديمقراطية، وأن تضع بين أولوياتها قطع الطريق على أي تمدد إيراني باتجاه ملء الفراغ في شرق سوريا؟

سؤال سيطرح قريبا في علاقات البلدين: ما الذي ستقوله وتفعله أنقرة إذا ما قررت واشنطن من جانب واحد إقامة منطقة حظر طيران فوق شمال وشرق سوريا تحت ذريعة حماية جنودها من أية عمليات عسكرية تركية في المنطقة؟ وما الذي ستقوله واشنطن إذا ما قررت تركيا التراجع عن تفاهم مهاجمة مجموعات داعش في سوريا وإعطاء الأولوية لمهاجمة وحدات حماية الشعب الكردية حليف أمريكا ومن يحارب بسلاحها في سوريا؟

تركيا تريد معرفة تفاصيل جدولة الانسحابات الأمريكية لتقرر على ضوئها تفاصيل تحركها العسكري وبولتون لا يعطيها ما تريده. هل من المعقول أن يتحرك الوفد الأمريكي دون معرفة ترامب وخارج أوامره؟ فما الذي سيجري الآن؟ وكيف سيتواصل الحوار التركي الأمريكي حول تطورات المشهد السوري ونقاش أكثر من نقطة تباعد عالقة بين البلدين؟ هل يتدخل الرئيس الأمريكي ترامب مرة أخرى ويحاول تهدئة الأمور عبر اتصال هاتفي جديد بنظيره التركي؟

كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يردد قبل أسابيع أن مكالمته الهاتفية مع نظيره الأمريكي ترامب دفعت أنقرة لإرجاء موعد عمليتها العسكرية في منبج وشرق الفرات، وأن الإدارة الأمريكية تعطي أنقرة الحق في تنفيذ عمليتها العسكرية، فما الذي فشل بولتون وكالين في إنجازه أمس خلال لقائهما التفاوضي المطول في أنقرة؟

ثبت مرة أخرى أن واشنطن لا تريد أن تتخلى عن حليفها الكردي في سوريا وتسلم الأمور لأنقرة بمثل هذه البساطة، وأن قرار ترامب بسحب الجنود لن يعني قبول الهزيمة في سوريا وتسليم الملف للثلاثي التركي والروسي والإيراني، وأن الرئيس الأمريكي لن يعطي أنقرة ما تريده وسط كل هذا التباعد في المواقف والسياسات، خصوصا أن أردوغان يردد على مسامع واشنطن في كل يوم: إن الحرب في شمال شرق سوريا لن تكون ضد داعش فقط بل ضد "وحدات حماية الشعب" شريك أمريكا في سوريا، وأنه لن يكون سهلا على ترامب تعريض مصالح أمريكا وشركائها في المنطقة لخطر التمدد الإيراني الذي يرى في السياسة التركية الراهنة سببا من أسبابه .

ما الذي سيجري الآن أمريكيا؟

إما أن تقول واشنطن إنها تراجعت عن خطة الانسحاب بسبب الخلافات التركية الأمريكية، وإما أن تقول إنها ستواصل عملية الانسحاب وتسلم مسألة حماية الوحدات الكردية المحسوبة عليها للروس والنظام والإيرانيين، وإما أن تمضي باتجاه منطقة عازلة في منطقة الحدود التركية السورية رغما عن الجميع لحماية وحدات حماية الشعب من العملية العسكرية التركية، وبالتالي زيادة عدد الجنود الأمريكيين بدلا من تخفيضهم .

خيبة أمل كبيرة في صفوف بعض الإعلاميين الأتراك الذين تسرعوا في الإعلان أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانسحاب من سوريا كان في الحقيقة يعني الانسحاب من أمام تركيا في سوريا والمنطقة، وها هم يرددون الآن أن واشنطن تخون العهد وتقول إن شرط انسحابها هو ضمان أنقرة أمن وحدات حماية الشعب، في حين أن التفاهم بين ترامب وأردوغان كان ينص على محاربة تركيا لداعش كشرط مسبق وحيد.


الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات