حرب الدولار تتصاعد.. العقوبات تفتح باب التحول نحو عملات واحتياطيات بديلة
أكملت حرب أوكرانيا عامها الرابع، بينما يستمر الصراع العسكري ملقيا بظلاله السياسية والاقتصادية على العالم.
وإلى جانب التداعيات السياسية التي طالت الدول المنخرطة في النزاع، كانت الآثار الاقتصادية أشد وطأة وأوسع تأثيرا، مع اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وما تبع ذلك من تصاعد معدلات التضخم ورفع أسعار الفائدة وتأثير مباشر على النمو والقدرة على الاستدانة في العديد من الدول.
ومن أبرز التداعيات التي برزت خلال السنوات الأخيرة، تصاعد الجهود الرامية إلى تقليص الاعتماد على الدولار الأمريكي، في ظل استخدامه كأداة ضغط عبر العقوبات الاقتصادية التي فرضتها واشنطن في مواجهة روسيا ودول أخرى.
سلاح قديم بصيغة حديثة
وفق تقرير لمجلة مودرن دبلوماسي، فإن بيانات صندوق النقد الدولي تؤكد استمرار الدولار كعملة احتياطية عالمية رائدة. وحتى الربع الثاني من عام 2024، احتفظت البنوك المركزية بنحو 58% من احتياطياتها المقومة بالدولار، مع تركيز كبير على السندات الأمريكية.
ومنذ حقبة الحرب الباردة، استخدمت الولايات المتحدة نظام المدفوعات بالدولار وأدواته المالية كوسيلة لفرض عقوبات اقتصادية على دول لا تتوافق سياساتها مع مصالحها، بدءا من الاتحاد السوفيتي وكوريا الشمالية، ثم توسع نطاق العقوبات ليشمل إيران وكوبا وفنزويلا وأفغانستان وغيرها.
ورغم أن العقوبات حققت تأثيرا جزئيا في بعض الحالات، فإن فعاليتها تراجعت في حالات أخرى، مثل إيران وروسيا، مع تصاعد الاستخدام المتكرر لها، ما أدى إلى البحث عن بدائل وتقليل الاعتماد على النظام المالي المرتبط بالدولار.
تسليح الدولار وتداعياته
يشير تقرير لموقع إنفستوبيديا إلى أن مصطلح تسليح الدولار يعكس التوسع في توظيف الهيمنة المالية الأمريكية عبر نظام المقاصة في الاحتياطي الفيدرالي، وشبكة سويفت، والمعاملات الخاضعة للقانون الأمريكي، لفرض قيود أو تجميد أصول أو عرقلة التحويلات المالية.
وشكل تجميد نحو 300 مليار دولار من الاحتياطيات الروسية عام 2022 نقطة تحول مهمة، إذ كانت المرة الأولى التي يتم فيها حجب أصول سيادية لدولة عضو في مجموعة العشرين بالكامل، في رسالة واضحة مفادها أن أي جهة يمكن أن تتعرض للعقوبات.
ومنذ ذلك الحين، عززت واشنطن أدواتها العقابية، وخصصت وزارة الخزانة ميزانيات أكبر لتوسيع تنفيذ العقوبات وتعزيز آليات الرقابة على التدفقات المالية العالمية.
لكن هذه السياسة دفعت العديد من الدول إلى تسريع خطط تنويع احتياطياتها نحو الذهب واليوان وأنظمة الدفع الإقليمية، ما أدى إلى تراجع حصة الدولار في الاحتياطيات الرسمية إلى ما دون 47%، وفق تقديرات حديثة.
وأظهرت استطلاعات رأي أن غالبية محافظي البنوك المركزية يعتبرون مخاطر تسليح الاحتياطيات عاملا رئيسيا في تقليل الانكشاف على الدولار.
وتشير بيانات تجارية إلى نمو ملحوظ في المعاملات الثنائية بعملات بديلة، حيث تجاوزت التجارة بين الصين وروسيا 240 مليار دولار، تم تنفيذ نحو 90% منها باليوان الصيني.
نفوذ مالي تحت الاختبار
العقوبات ليست أداة جديدة، إلا أن البنية القانونية التي تطورت بعد أحداث 11 سبتمبر منحت واشنطن نفوذا خارجيا واسع النطاق، إذ إن أي معاملة مقومة بالدولار تمر عبر النظام المصرفي الأمريكي أو البنوك المراسلة، ما يتيح إخضاعها للرقابة أو الحظر.
وقد أدى ذلك إلى تطبيق إجراءات مثل إخراج إيران من نظام سويفت عام 2012، مما أثر على عائداتها النفطية، بينما تعتمد العقوبات الحديثة ضد شركات التكنولوجيا على آليات الضغط ذاتها المرتبطة بالمدخلات المالية والنقدية.
ووفق بحث صادر عن كلية لندن للاقتصاد، يوصف هذا النفوذ بأنه حق نقض على التمويل العالمي، حيث تجد البنوك غير الأمريكية نفسها مطالبة بالامتثال أو المخاطرة بفقدان الوصول إلى الدولار.
تحولات في سلوك البنوك والمستثمرين
بعد مصادرة أصول البنك المركزي الروسي، اعتُبرت الاحتياطيات السيادية أقل حصانة من السابق، ما دفع البنوك المركزية إلى إعادة تقييم استراتيجياتها.
وأظهرت بيانات استطلاع حديث أن 85% من مديري الاحتياطيات يرون أن تسليح الأصول سيكون له تأثير كبير على مستقبل إدارة الاحتياطيات، بينما ارتفعت نسبة من يعتبرون العقوبات الأمريكية عاملا مهما في قرارات توزيع الأصول إلى 76%، مقارنة بـ 30% قبل عام 2022.
كما شهد عام 2024 زيادة شبه قياسية في مشتريات الذهب من البنوك المركزية وصناديق الاستثمار، في حين اتجهت دول مثل الصين والهند إلى إنشاء قنوات تسوية مباشرة بين عملاتها لتقليل الاعتماد على المقاصة بالدولار.
وتعكس مؤشرات السوق هذا التحول، مع تراجع حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية وانخفاض مؤشره في الفترات الأخيرة، إلى جانب توجه بعض الحلفاء، مثل بولندا، إلى رفع نسبة الذهب في احتياطياتهم، وسعي دول رابطة آسيان إلى توسيع التسويات بالعملات المحلية بحلول عام 2030.
كما تعمل دول أوروبية على تعزيز استقلالها المالي عبر تطوير أنظمة دفع بديلة أقل اعتمادا على البنية التحتية المالية الأمريكية، في ظل تصاعد النقاشات داخل الاتحاد الأوروبي حول تقليل التبعية للنظام المالي القائم على الدولار.