الملاذ السري الجديد.. المجمع العسكري الضخم أسفل البيت الأبيض
في محاولة للموازنة بين متطلبات الأمن القومي والحفاظ على الإرث التاريخي، يواصل الرئيس دونالد ترامب دفع خططه لإقامة مجمع عسكري ضخم تحت الأرض، وذلك رغم المعركة القضائية التي أوقفت الأعمال الإنشائية فوق السطح.
ووفقا لمجلة تايم، تعود جذور الأزمة إلى الخريف الماضي، حين شرعت إدارة ترامب في هدم الجناح الشرقي للبيت الأبيض تمهيداً لبناء قاعة احتفالات تقدر تكلفتها بنحو 400 مليون دولار. لكن هذه الخطوة أثارت غضب الصندوق الوطني للحفاظ على التراث التاريخي، الذي رفع دعوى قضائية ضد الرئيس وأعضاء إدارته، معتبراً أن البناء غير قانوني.
وبعد أشهر من التقاضي، أصدر قاضٍ في 31 مارس/ آذار أمراً بوقف العمل في القاعة إلى حين الحصول على موافقة الكونغرس، مع استثناء أي أعمال "ضرورية لضمان سلامة وأمن البيت الأبيض".
من جانبها تصر إدارة ترامب على أن المشروع بأكمله ليس مجرد قاعة احتفالات، بل غطاء لإنشاء منشأة أمنية ضخمة تحت الأرض.
ويؤكد الرئيس أن المجمع العسكري الجديد - الذي يُقام تحت القاعة - سيمثل نقلة نوعية في حماية البيت الأبيض، مزوداً بـ"زجاج مضاد للرصاص عالي الجودة" وأنظمة دفاع بيولوجي وشبكات اتصالات آمنة وملاجئ مضادة للقنابل، إضافة إلى مستشفى ومرافق طبية متطورة.
من ملجأ الحرب العالمية الثانية إلى مركز قيادة المستقبل
سيحل المجمع الجديد محل "مركز عمليات الطوارئ الرئاسي" وهو منشأة تحت الأرض تعود إلى حقبة الحرب العالمية الثانية، ظلت لسنوات سراً مكشوفاً في واشنطن.
ووفقاً لجمعية البيت الأبيض التاريخية، صُمم المركز القديم ليكون حصنًا منيعاً لكبار المسؤولين، بجدران خرسانية سميكة وأسقف فولاذية، ويضم غرفة نوم وحماماً صغيرين للرئيس، إلى جانب مخازن طعام ومعدات اتصالات بدائية.
شهد هذا الملجأ لحظات مصيرية في التاريخ الأمريكي الحديث، أبرزها هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001، حين نُقل إليه نائب الرئيس ديك تشيني وعدد من المسؤولين، كما روَت السيدة الأولى السابقة لورا بوش كيف هرعت إلى المنشأة عبر "بابين فولاذيين ضخمين أُغلقا خلفي بصوت أزيز".
وفي مايو/ أيار 2020، لجأ ترامب نفسه إلى المركز لفترة وجيزة خلال احتجاجات مقتل جورج فلويد، واصفاً لاحقاً الأمر بأنه "تفتيش" في الغالب.
ومع ذلك، يرى القائمون على المشروع أن التطورات التكنولوجية وتغير طبيعة التهديدات الأمنية تفرض ضرورة تحديث هذه المنشآت بشكل جذري، بحيث تتحول من مجرد ملجأ تقليدي إلى مركز قيادة متكامل قادر على إدارة الأزمات المعقدة في الزمن الحقيقي.
ومن هذا المنطلق، يأتي المشروع الجديد ليجسد رؤية أكثر شمولًا للأمن، تجمع بين التحصين الفيزيائي والتفوق التكنولوجي.
سرية تامة ومعلومات مصنفة
ورغم هذه المبررات، يظل الغموض سمة أساسية تحيط بتفاصيل المشروع، حيث ترفض الإدارة الكشف عن كثير من جوانبه بدعوى ارتباطها بالأمن القومي. وتشير وثائق قضائية إلى استخدام تقنيات متقدمة، مثل أعمدة فولاذية مقاومة للصواريخ وأنظمة حماية ضد الطائرات المسيّرة، فضلًا عن إنشاء فواصل أمنية معقدة داخل المنشأة.
كما أكد مسؤولون في الخدمة السرية استعدادهم لتقديم معلومات إضافية بشكل سري أمام القضاء، نظرًا لحساسيتها، في حين أقر مسؤولون داخل البيت الأبيض بأن بعض تفاصيل المشروع تخضع لتصنيف أمني بالغ الدقة.
من جهته، عرض نائب مدير الخدمة السرية، ماثيو كوين، مشاركة معلومات إضافية مع القاضي في جلسة سرية، واصفاً إياها بـ"الحساسة و/أو السرية المتعلقة بإنفاذ القانون".
بينما اعترف جوشوا فيشر، مدير الإدارة والتنظيم في البيت الأبيض، في اجتماع للجنة تخطيط العاصمة، أن "بعض الأمور المتعلقة بهذا المشروع سرية للغاية". وأكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، أنها غير مخولة بتقديم أي تفاصيل إضافية، مكتفية بالقول إن "الجيش يجري بعض التحسينات على منشآته هنا".
وفي ظل استمرار الأعمال تحت الأرض، تتواصل حالة الشد والجذب بين السلطة التنفيذية من جهة، والمؤسسات القانونية والهيئات المعنية بحماية التراث من جهة أخرى.
فبينما تسعى الإدارة إلى تنفيذ مشروع ترى فيه ضرورة استراتيجية لمواكبة التحديات الأمنية الحديثة، يحذر المعارضون من تداعيات المساس بالهوية التاريخية والمعمارية للبيت الأبيض، باعتباره رمزًا وطنيًا يتجاوز وظيفته الإدارية.