هل سيعود إسماعيل كونيه للملاعب؟ تفاصيل العملية الجراحية لكسر «الساق والشظية» (خاص)
لم تكن إطلاق صافرة النهاية في المواجهة الدولية الأخيرة التي جمعت بين منتخبي كندا وقطر مجرد إعلان عن فوز عريض للمنتخب الكندي بنتيجة ستة أهداف دون رد، بل كانت تحولاً درامياً غريباً في مشاعر الجماهير والمتابعين.
بالرغم من الأداء الهجومي القوي التي فرضها الجانب الكندي طوال شوطي اللقاء والتي تُرجمت إلى مهرجان أهداف متتالٍ، إلا أن الفرحة بهذا الانتصار العريض لم تكتمل، وتحولت أجواء الاحتفال سريعاً إلى حالة من القلق والوجوم الشديدين، والسبب في ذلك لم يكن فنياً أو تكتيكياً، بل كان لقطة سقوط مروعة للاعب خط الوسط الكندي الواعد إسماعيل كونيه، والتي حبست أنفاس الجميع في الملعب.
عقب اللقاء، أظهرت الفحوصات الطبية والأشعة السينية التي خضع لها اللاعب على وجه السرعة صدمة حقيقية للجهاز الفني؛ إذ تبين أنه يعاني من كسر مزدوج ومعقد في عظم الساق الرئيسي وفي عظم الشظية الجانبية الرفيعة أسفل الساق.
هذا التشخيص الطبي الصادم أثار مخاوف كبيرة حول مستقبل اللاعب الشاب، خاصة مع الإعلان الأولي عن مدة غيابه المتوقعة والتي تتراوح بين أربعة إلى خمسة أشهر، مما جعل الحديث عن تفاصيل الإصابة ومستقبل اللاعب الطبي يتصدر المشهد الرياضي متفوقاً على نتيجة المباراة نفسها.

التشريح الطبي لإصابة كونيه
من الناحية البيوميكانيكية والتشريحية، لا يُصنف الكسر المزدوج الذي تعرض له إسماعيل كونيه على أنه مجرد إصابة ملاعب عادية، بل هو أحد أعنف الأضرار الهيكلية التي يمكن أن تصيب الطرف السفلي للاعب كرة القدم. ولمعرفة رأي العلم في هذه الإصابة، يجب فهم التركيب العظمي للساق؛ حيث يتكون الجزء السفلي من الساق من عظمتين متوازيتين؛ الأولى والأكبر هي عظمة "الظنبوب" أو ما تُعرف بعظم الساق الرئيسي، وهي الدعامة الأساسية التي تتحمل ما يقارب تسعين بالمئة من وزن الجسم بأكمله وتمنح اللاعب القدرة على الارتكاز والقفز والدوران.
أما العظمة الثانية فهي "الشظية"، وهي العظمة الجانبية الرفيعة والدقيقة التي تمتد محاذية لعظم الساق من الجهة الخارجية. ورغم أن الشظية لا تتحمل عبئاً كبيراً من وزن الجسم، إلا أن أهميتها العلمية تكمن في ضبط اتزان وحركة مفصل الكاحل والركبة، وتوفير نقاط ارتكاز متينة للأربطة والعضلات المسؤولة عن توجيه القدم أثناء الركض وتغيير الاتجاهات السريعة.

إن حدوث كسر في هاتين العظمتين معاً يشير علمياً إلى أن الساق تعرضت لقوة التوائية عنيفة جداً أو اصطدام مباشر عالي الطاقة. في الحالة الأولى، تحدث الإصابة عندما تنغرس سدادات حذاء اللاعب في العشب الحيوي للملعب بشكل قوي، بينما يتحرك الجذع والركبة بعنف في اتجاه دوران مباغت، مما يخلق عزماً التوائياً يفوق قدرة العظام الميكانيكية على التحمل ويؤدي إلى انكسارها الفوري.
وفي الحالة الثانية، وهي الأكثر شيوعاً في الالتحامات القوية، يكون السبب ضربة مباشرة من حذاء منافس بقوة اندفاع عالية ترتطم بقصبة الساق، مما يؤدي إلى كسر العظمتين في وقت واحد، وهو ما يتطلب التعامل معه كحالة طوارئ طبية رياضية لتجنب أي مضاعفات على مستوى الأوعية الدموية أو الأعصاب المحيطة بالمنطقة المصابة.
طبيعة الكسر المزدوج
وفي قراءة طبية حصرية لـ "العين الإخبارية"، حلل الدكتور أحمد الشريف، المتخصص الخبير في إصابات الملاعب وإعادة التأهيل، طبيعة هذه الإصابة وتداعياتها على مسيرة اللاعب إسماعيل كونيه.
وأوضح الدكتور الشريف أن خطورة كسر الساق والشظية لا تكمن فقط في تضرر النسيج العظمي، بل في مدى تأثر الأنسجة الرخوة والأعصاب المحيطة بالكسر. وأشار في حديثه إلى أن عظمة الشظية الرفيعة يمر بالقرب من عنقها العلوي عصب حيوي هام جداً يُدعى "العصب الشظوي المشترك"، وهو العصب المسؤول بشكل مباشر عن إعطاء الأوامر لعضلات القدم بالارتفاع إلى الأعلى أثناء المشي والركض.

وأكد الدكتور أحمد الشريف لـ "العين الإخبارية" أن أي إهمال أو تشخيص خاطئ لمدى تضرر هذا العصب قد يؤدي إلى إصابة اللاعب بما يُعرف طبيّاً بـ "هبوط القدم"، وهو أمر إن حدث -لا قدر الله- كفيل بتهديد المسيرة الاحترافية لأي رياضي.
وأضاف الدكتور الشريف في سياق تحليله العلمي أن المؤشرات الأولية وفحوصات الرنين المغناطيسي والأشعة المقطعية لكوني حسب ما اطلع عليه جاءت مطمئنة من هذه الناحية، مؤكدة أن الكسر جاء مغلقاً ونظيفاً، أي أنه لم يتسبب في تمزق جلدي أو تلف عصبي أو وعائي محيط، مما يمنح الفريق الطبي تفاؤلاً كبيراً بشأن التوقعات الطبية لشفاء اللاعب بشكل كامل، شريطة الالتزام التام بالبروتوكول العلاجي والجراحي الحديث وعدم استعجال العودة للملاعب قبل اكتمال مرحلة الالتحام العظمي الكثيف.

خطة العلاج الشاملة والتدخل الجراحي
استعرض الدكتور أحمد الشريف تفاصيل خطة العلاج الشاملة والمكثفة التي سيخضع لها النجم الكندي إسماعيل كوني، مؤكداً أن التدخل الجراحي الفوري هو الخيار الحتمي والأمثل للرياضيين في مثل هذه الحالات لضمان عودة العظام إلى محاذاتها التشريحية الدقيقة بنسبة مئة بالمئة.
وتبدأ هذه الخطة بعملية جراحية دقيقة تُعرف في الأوساط الطبية باسم "الرد المفتوح والتثبيت الداخلي". في هذه الجراحة، يقوم جراح العظام المتخصص بفتح شق صغير أسفل الركبة ليدخل من خلاله مسماراً نخاعياً طويلاً ومصنوعاً من مادة التيتانيوم الصلبة والخفيفة داخل التجويف النخاعي لعظمة الساق الكبيرة، ويتم تثبيت هذا المسمار ببراغي طبية من الأعلى والأسفل لضمان عدم تحرك العظم نهائياً أثناء عملية الالتئام الطبيعي.

أما بالنسبة لعظمة الشظية الرفيعة، فبناءً على موقع الكسر، قد يتم تثبيتها بشريحة معدنية دقيقة ومسامير لضمان استقرار مفصل الكاحل ومنع أي انحراف ميكانيكي مستقبلي قد يؤثر على توازن اللاعب أثناء الركض.
وعقب نجاح العملية الجراحية، يرى الدكتور أحمد الشريف أن الخطة الطبية تنتقل فوراً إلى مرحلة الرعاية الطبية الوقائية داخل المستشفى، والتي تستمر لعدة أيام وتستهدف التحكم الكامل في مستويات الألم والورم عبر الأدوية المضادة للالتهابات والمضادات الحيوية لمنع حدوث أي عدوى في مكان الجراحة.
وشدد الدكتور الشريف في حديثه لـ "العين الإخبارية" على أن العضو الذي لا يُستخدم يضمر سريعاً، ولذلك فإن البروتوكول الطبي الحديث لا ينتظر أسابيع طويلة للبدء في الحركة، بل يبدأ المعالج الطبيعي في اليوم الثاني مباشرة للجراحة بتحفيز عضلات الفخذ والساق عبر تمارين الانقباض الثابت بدون تحريك المفصل، وذلك للحفاظ على الحيوية العضلية والتدفق الدموي ومنع جلطات الساق، مع إبقاء اللاعب تحت نظام صارم يمنع تحميل أي وزن على القدم المصابة خلال الأسابيع الستة الأولى.

مراحل التأهيل البدني وبروتوكول العودة
بعد انقضاء الفترة الحرجة الأولى والتأكد من بدء تشكل الكالس العظمي (النسيج العظمي الجديد)، تنتقل رحلة تعافي إسماعيل كوني إلى مرحلة التأهيل البدني الحركي، والتي يقسمها الدكتور أحمد الشريف إلى مراحل متلاحمة وسلسة.
تبدأ المرحلة الأولى من الأسبوع السادس وحتى الأسبوع الثاني عشر، وفيها يتم السماح للاعب بالتحميل الجزئي لوزنه على الساق المصابة باستخدام العكازات الطبية وأحذية المشي الواقية، مع التركيز المكثف في جلسات العلاج الطبيعي على استعادة المدى الحركي الكامل لمفصلي الركبة والكاحل اللذين يعانيان عادة من تيبس نتيجة قلة الحركة، إلى جانب استخدام تقنيات التحفيز الكهربائي للعضلات وممارسة التمارين في المسبح الطبي (العلاج المائي) لتقليل الجاذبية وتخفيف الضغط على العظام الملتئمة.

أما المرحلة التالية، والتي تمتد بين الشهر الثالث والشهر الرابع، فتعد مرحلة بناء القوة والتحمل؛ حيث يتخلص اللاعب تماماً من العكازات ويبدأ في ممارسة تمارين المقاومة واستعادة الكتلة العضلية المفقودة في عضلات التوأمية (السمانة) والفخذ، مع البدء في برامج إعادة التوازن العصبي العضلي لتعليم الدماغ كيفية التنسيق مجدداً مع الطرف المصاب.
ويختتم الدكتور أحمد الشريف حديثه لـ "العين الإخبارية" بالإشارة إلى المرحلة الأخيرة، وهي مرحلة الإعداد الخاص بالملعب في الشهر الخامس، حيث يُسمح لكوني بالركض الخفيف على العشب، والقيام بتمارين الرشاقة وتغيير الاتجاهات، ثم التدرج في ركل الكرة والانخراط في جزء من التدريبات الجماعية دون احتكاك، حتى يحصل على الضوء الأخضر الطبي الكامل بعد التأكد من أن كثافة العظام وجاهزيتها البدنية والنفسية أصبحت في أعلى مستوياتها.
أشهر إصابات كسر القدم
إن الإصابة القاسية التي ألمت باللاعب الكندي إسماعيل كونيه ليست الأولى من نوعها في عالم الساحرة المستديرة، بل إن تاريخ كرة القدم يزخر بقصص مشابهة لنجوم كبار تعرضوا لكسور مرعبة في الساق والشظية، لكنهم تمكنوا من العودة وكتابة التاريخ مجدداً بفضل الإرادة والتقدم الطبي.
ومن أبرز هذه الحالات التاريخية، الإصابة الشهيرة للنجم الفرنسي جبريل سيسيه، الذي عانى من سوء حظ غريب بوقوع كسر مزدوج ومروع في الساق والشظية مرتين في مسيرته؛ الأولى مع نادي ليفربول عام 2004، والثانية مع منتخب فرنسا في مباراة ودية عام 2006 قبل أيام من كأس العالم، ورغم بشاعة الكسرين اللذين نقلا على الهواء مباشرة، إلا أن سيسيه عاد للملاعب بقوة بفضل تقنيات التثبيت النخاعي الشبيهة بالتي سيخضع لها كونيه.

كذلك، لا يمكن نسيان اللحظة العصيبة التي عاشها النجم الإيطالي الأسطوري فرانشيسكو توتي في أوائل عام 2006، عندما تعرض لكسر في عظم الشظية وتمزق في أربطة الكاحل إثر تدخل عنيف خلال مباراة في الدوري الإيطالي. في ذلك الوقت، تسابق الطاقم الطبي مع الزمن وقاموا بتركيب شريحة معدنية وعشرة مسامير في ساقه، وخلال فترة قياسية لم تتجاوز الأربعة أشهر، عاد توتي للملاعب ليقود منتخب إيطاليا للتتويج بلقب كأس العالم 2006.
وتنضم إلى هذه القائمة إصابة السويدي المخضرم هنريك لارسون مع سيلتيك عام 1999 بكسر مضاعف في الساق، والإصابة الشهيرة للاعب أرسنال آرون رامسي عام 2010. كل هذه النماذج التاريخية الملهمة تؤكد لعلم الرياضة وللجماهير الكندية أن هذه الإصابات العنيفة، رغم فداحتها وصدمتها الأولى، لم تعد نهاية المطاف، بل أصبحت مجرد محطة توقف مؤقتة يتجاوزها اللاعبون الحديثون ليعودوا أكثر صلابة وتوهجاً.