ضربة حتمية أم حل دبلوماسي؟.. سيناريوهات مفتوحة بين أمريكا وإيران
ما بين الجهود الدبلوماسية النشطة والحشد العسكري الأمريكي، تظل الاحتمالات مفتوحة حول إمكانية شن الولايات المتحدة ضربة على إيران.
فبعد أن هدأت مؤقتا التوترات المتصاعدة بين واشنطن وطهران، حلت محلها موجة من النشاط الدبلوماسي الساعي إلى تجنب الحرب، حيث تنقل المبعوثون والمسؤولون من كلا الجانبين، بالإضافة إلى جهات إقليمية أخرى، بين عواصم مختلفة بحثًا عن حلول.
وأثمرت هذه الجهود محادثات غير مباشرة يوم الجمعة الماضي في سلطنة عُمان، وصفها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنها "لقاء جيد جدًا"، ووصفها الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بأنها "خطوة إلى الأمام"، مع توقع عقد المزيد من الاجتماعات.
ويوحي بدء المحادثات بأن المواجهة قد لا تكون حتمية، إلا أن تحرك الأصول البحرية الأمريكية يروي قصة مختلفة، وفقا لما ذكره موقع "ناشيونال إنترست" الأمريكي الذي اعتبر أنه من الصعب الجزم ما إذا كان هذا الحشد مقدمة لحرب أم محاولة محسوبة لإجبار إيران على تقديم تنازلات.
عقبة أخيرة
وفي واشنطن، يبدو المعسكر المؤيد للحرب صاخبا ومنظما تنظيماً جيداً، حيث وجد المغتربون الإيرانيون الذين يحلمون بتغيير النظام حماسًا متجددًا في عهد ترامب، لينضم إليهم تحالف المحافظين الجدد، وجماعات الضغط الإسرائيلية، وصقور الكونغرس مثل السيناتور ليندسي غراهام والسيناتورر تيد كروز والسيناتور توم كوتون الذين يرون في إيران العقبة الأخيرة أمام نظام أمريكي-إسرائيلي في الشرق الأوسط.
وفي الوقت نفسه، يتمتع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوصول غير مقيد إلى ترامب، وقد أثبت براعته في تصوير كل تحرك إيراني على أنه تهديد وجودي.
في المقابل، هناك قاعدة شعبية أوسع نطاقًا لكنها أقل تنظيمًا، ترفض خوض حرب أخرى مكلفة في الشرق الأوسط وتريد من الحكومة التركيز على القضايا الداخلية الملحة، لا على إعادة تشكيل إيران وهي القاعدة التي ساهمت في عودة ترامب إلى البيت الأبيض.
لكن ترامب تخلى عن هذا التوجه تدريجيًا وشكل استعراض القوة العسكرية إغراء له بعد العمليات المحدودة والمبهرة؛ كالضربات الجوية على المنشآت النووية الإيرانية الصيف الماضي، واعتقال الرئيس الفنزولي نيكولاس مادورو.
لكن إيران ليست فنزويلا، وهي بالتأكيد ليست هدفًا يمكن إخضاعه من الجو وحده، لأن تغيير النظام هناك يتطلب وجودًا عسكريًا أمريكيًا على الأرض وتحمل مسؤولية انتقال السلطة الذي قد يكون فوضويًا، وهو احتمال يخشاه ترامب، بحسب الموقع الأمريكي.
وحتى الآن أسهمت الجهات الفاعلة الإقليمية في كبح جماح ترامب وسط مخاوف من أن تشعل الحرب بين الولايات المتحدة المنطقة بأكملها.
في المقابل، استخلصت طهران دروساً "قاسية" من العامين والنصف الماضيين، وجرى تفسير حذرها على أنه "ضعف مما يشجع على مزيدٍ من الضغط".
لكن قادة إيران يتحدثون علناً الآن عن الردع من خلال قوةٍ حاسمة، بل واستباقية وإذا شنت الولايات المتحدة هجوماً آخر، فمن المرجح أن يكون الرد أقوى بكثير من الجولات السابقة من خلال هجمات مباشرة على الأصول العسكرية الأمريكية، وربما حتى على البنية التحتية الاقتصادية والطاقة في المنطقة.
ومؤخرا، حذر المرشد علي خامنئي من "حربٍ إقليمية" إذا ما تعرضت إيران للهجوم حيث سيكون الهدف هو تدويل الصراع لدفع مجموعة أوسع من أصحاب المصلحة للتدخل وكبح جماح الولايات المتحدة وإسرائيل.
وتجري هذه الحسابات في ظل ضغوط متزايدة ومتعددة على النظام الإيراني مثل العقوبات الأشد وطأة من أي وقت مضى، ومعاناة العاصمة طهران من نقص حاد في المياه، والاضطرابات الداخلية التي يُعتقد أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية وربما الأمريكية تؤججها بحيث تؤدي الأزمات لانهيار النظام.
ويناسب انهيار النظام إسرائيل لكنه سيكون كارثيا على المنطقة، لأن إيران بلد يبلغ تعداد سكانه 93 مليون نسمة، وسيفضي أي فراغ سياسي وأمني هائل إلى عنف داخلي كبير، وانهيار اقتصادي، وتدفقات للاجئين، واضطراب في إمدادات الطاقة العالمية.
لذا تتجه الأنظار إلى المفاوضات حيث يصر المتشددون على أن أي اتفاق يجب أن يشمل ليس فقط البرنامج النووي الإيراني، بل أيضاً صواريخ طهران الباليستية وتحالفاتها الإقليمية وهي مطالب شبه مستحيلة بالنسبة لإيران.
خط أحمر؟
وسيجرد التنازل بشأن الصواريخ إيران من وسيلتها الدفاعية الرئيسية، لذلك تعتبره خطا أحمر، خاصة بعدما أظهرت المواجهة مع إسرائيل الصيف الماضي أهميتها البالغة وللسبب نفسه تصر إسرائيل على تفكيك صواريخ طهران.
وتجعل هذه الأجندة المتشددة، الجولة الأخيرة من المحادثات أقرب إلى الفشل منها إلى النجاح كما أن الأزمة المتعددة المتفاقمة في إيران تشجّع خصومها على تجنب تخفيف الضغوط من خلال حلول وسطية قد تفضي إلى انفراجة.
وبشكل مستمر، تتزايد الإغراءات لاختبار طهران بعملية عسكرية محدودة أخرى لمعرفة ما إذا كان النظام سينهار، خاصة وأن إدارة ترامب سبق واستخدمت المحادثات النووية كغطاء لشن هجوم جوي إسرائيلي العام الماضي.
ومع ذلك، فالحرب ليست حتمية، لأن دوافع ترامب لا تزال عملية بحتة، وليست أيديولوجية فهو يريد صفقات يمكنه تسويقها على أنها انتصارات، لا احتلالا عسكريا سينتهي بهزيمة.
ويدرك حلفاء ترامب الإقليميون هذا الأمر، ويواصلون البحث عن صيغة توفر لإيران "ما يكفي من الكرامة لقبول القيود"، وفي الوقت نفسه تتيح للرئيس الأمريكي استعراض النصر وقد تسفر الدبلوماسية في عُمان عن مثل هذا الحل.