«لعنة الذهب».. كيف تلاشت «كأس العالم» التاريخية في أفران اللصوص؟
قصة سرقة كأس العالم «جول ريميه» مرتين في إنجلترا والبرازيل، وكيف تحولت إلى لغز رياضي وتاريخ مفقود إلى الأبد.
في تاريخ كرة القدم، ثمة لحظات لا تكتمل فيها فصول الحكاية داخل المستطيل الأخضر، بل تمتد لتُكتب في دهاليز الجريمة المنظمة. وبينما يعيش العالم اليوم أجواء المونديال، تبرز إلى الواجهة القصة الحزينة لكأس «جول ريميه»؛ الجائزة التاريخية التي لم تكن مجرد قطعة ذهبية، بل كانت رمزاً لكأس العالم في أنبل صورها، قبل أن تقع فريسة في قبضة لصوص ألحقوا إحراجاً دولياً ببريطانيا والبرازيل على حد سواء.
فضيحة «المهد»
في عام 1966، وبينما كانت إنجلترا تتهيأ لاحتضان كأس العالم للمرة الأولى، تعرضت الكأس لعملية سرقة بدت وكأنها حبكة في رواية بوليسية. كانت الكأس معروضة في معرض عام بلندن، حين اختفت فجأة من داخل خزانة زجاجية محصنة، مما أدخل البلاد في حالة استنفار أمني لم يسبق لها مثيل.
ورغم خيبة الأمل التي خلفتها الواقعة، إلا أن القدر أراد لإنجلترا أن تخرج من تلك الأزمة بأقل الأضرار حين عثر كلب يُدعى «بيكلز» على الكأس ملفوفة بصحيفة في إحدى حدائق العاصمة. كانت تلك الواقعة بمثابة جرس إنذار مبكر لاتحاد الكرة الدولي (فيفا) حول هشاشة التأمين على الرموز الرياضية.

نهاية «السامبا» المأساوية
لم تكن تلك سوى «بروفة» لما هو أسوأ. ففي عام 1970، وبعد أن توجت البرازيل باللقب الثالث، نالت حق الاحتفاظ بكأس العالم التاريخية للأبد. لكن في ديسمبر 1983، وفي مشهد يتنافى مع القيمة الرمزية للقب، اقتحم لصوص مقر الاتحاد البرازيلي لكرة القدم، مستغلين ثغرات أمنية فادحة.
وتشير التحقيقات الأمنية اللاحقة إلى أن اللصوص، الذين كانوا يبحثون عن ربح سريع، لم يدركوا -أو ربما لم يكترثوا- للقيمة التاريخية للجائزة؛ إذ تلاشت الكأس من سجلات التاريخ، وسط ترجيحات رسمية تشير إلى أنه قد جرى صهرها وتحويلها إلى سبائك ذهبية، في جريمة وُصفت بأنها «اغتيال لذاكرة المونديال».

تغيير «قواعد اللعبة»
تلك الفضائح المتتالية كانت المحرك الأساسي لإعادة رسم خريطة تأمين جوائز كرة القدم. فقرر «فيفا» استحداث كأس جديدة (كأس فيفا) لا يحق لأي منتخب الاحتفاظ بها، مهما تعددت انتصاراته، لتبقى ملكية مطلقة للاتحاد الدولي.
اليوم، تُنقل كأس العالم الحالية وفق بروتوكولات أمنية فائقة السرية، تشبه في صرامتها نقل الكنوز القومية. وعلى خلاف «جول ريميه» التي صُهرت في أفران اللصوص، صُممت الكأس الحالية بتركيبة فنية تجعل من محاولات صهرها أو تجزئتها أمراً يكاد يكون مستحيلاً، لتبقى رمزاً مصوناً بعيداً عن أطماع العابثين.
ستظل واقعة سرقة «جول ريميه» علامة فارقة في تاريخ المونديال، تذكر المتابعين بأن الرموز التاريخية لا تحميها قيمتها المعنوية، بل تحميها صرامة الإجراءات التي تلي تجارب الإخفاق.