أقدم بنك بالعالم في قلب صراعات الاندماج المصرفي
قبل أكثر من 5 قرون من ظهور البنوك الحديثة، وُلد في إيطاليا بنك ما زال يواصل نشاطه حتى اليوم، محتفظا بلقب أقدم بنك عامل في العالم.
تأسس بنك "مونتي دي باسكي دي سيينا" عام 1472 في مدينة سيينا الإيطالية، حين كانت المدينة جمهورية مستقلة في إقليم توسكانا، ليبدأ مسيرته كإحدى أقدم المؤسسات المالية التي عرفها التاريخ الأوروبي.
البنك أسس في بداياته كـ"مؤسسة إقراض خيري" لدعم الفقراء والمحتاجين، قبل أن يتحول تدريجياً إلى بنك تجاري واسع النشاط، ثم لاعب رئيسي في النظام المصرفي الإيطالي بعد توحيد البلاد في القرن التاسع عشر.
وعلى مدار أكثر من خمسة قرون، استطاع البنك أن ينجو من الحروب والانهيارات الاقتصادية والتحولات السياسية الكبرى في أوروبا، ليبقى رمزاً تاريخياً في القطاع المالي العالمي.
الأزمة المالية العالمية
ورغم هذا الإرث الطويل، لم ينجُ البنك من الأزمات الحديثة، فقد دخل مرحلة صعبة بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، حين اضطر إلى إعادة هيكلة رأسماله عدة مرات، قبل أن يواجه خسائر كبيرة في السنوات التالية، من بينها خسارة بلغت نحو 730 مليون يورو عام 2013، ما دفعه إلى إجراءات إنقاذ وإعادة رسملة متكررة لتفادي الانهيار.
ومع ذلك، تمكن البنك من الاستمرار وإعادة تثبيت موقعه داخل السوق الإيطالي، ليصبح اليوم رابع أكبر بنك تجاري وتجزئة في إيطاليا، بعد أن كان على حافة الانهيار قبل سنوات قليلة.
من بنك تاريخي إلى محور صراعات مصرفية
في السنوات الأخيرة، لم يعد اسم مونتي دي باسكي مرتبطاً فقط بتاريخه العريق، بل أصبح في قلب موجة اندماجات واستحواذات تشهدها الساحة المصرفية الإيطالية، حيث تتسابق البنوك الكبرى لتعزيز حجمها وقدرتها التنافسية في مواجهة التحديات الاقتصادية الأوروبية.
وفي أحدث التطورات، أعلن بنك "بي بي إم" عن اقتراح للدمج مع مونتي دي باسكي دي سيينا، في خطوة من شأنها إنشاء ثاني أكبر مجموعة مصرفية في إيطاليا بقيمة سوقية تتجاوز 50 مليار يورو.
وبحسب العرض، فإن الصفقة المقترحة ستؤدي إلى تحقيق وفورات قبل الضريبة تتجاوز 1.1 مليار يورو، تشمل أكثر من 650 مليون يورو من خفض التكاليف، إضافة إلى أكثر من 450 مليون يورو من مكاسب الإيرادات، ما يعكس حجم الطموح وراء هذا الاندماج المحتمل.
ولم يكشف البنكان حتى الآن تفاصيل التبادل أو الشروط المالية الدقيقة للصفقة، في وقت لا تزال فيه ردود الفعل الحكومية الإيطالية محدودة، وسط ترقب لمسار أحد أبرز تحركات الدمج في القطاع المصرفي الأوروبي.
شبكة معقدة من الاندماجات والتحالفات
تأتي هذه الخطوة ضمن موجة إعادة تشكيل واسعة للقطاع المصرفي الإيطالي بدأت منذ عام 2024، حيث تسعى البنوك إلى توسيع حجمها وتعزيز الربحية في بيئة مالية شديدة التنافسية.
وخلال هذه الموجة، أصبح مونتي دي باسكي لاعباً محورياً، إذ استحوذ على بنك "ميديوبانكا"، في حين استحوذ بنك "بي بي إم" على شركة إدارة الأصول "أنِيما هولدينج". كما شهدت الساحة المصرفية محاولات فاشلة من بنك "يونيكريديت" للاستحواذ على بنك "بي بي إم"، إلى جانب تحركات نحو بنك "كومرتس بنك" الألماني.
ويمتلك "بي بي إم" بالفعل حصة تبلغ نحو 3.7% في مونتي دي باسكي، كما دعم إعادة تعيين الرئيس التنفيذي لويجي لوفاجليو خلال اجتماع المساهمين الأخير، في خطوة اعتبرها المستثمرون إشارة إلى إمكانية تقارب أكبر بين المؤسستين.
الحكومة الإيطالية ودور “المعركة المصرفية”
تلعب الحكومة الإيطالية دوراً غير مباشر في هذه التحولات، إذ تدعم رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني فكرة إنشاء "قطب مصرفي ثالث" قادر على منافسة أكبر بنكين في البلاد: "إنتيزا سان باولو" و"يوني كريديت".
وشمل هذا التوجه إعادة تأهيل مونتي دي باسكي بعد سنوات من الأزمات، ومحاولة تحويله إلى بنك قادر على المنافسة وجذب المستثمرين مجدداً.
لكن هذا الدور الحكومي أثار جدلاً داخل إيطاليا والاتحاد الأوروبي، بين من يرى أنه يحمي المصالح الوطنية ويعزز الاستقرار المالي، وبين من يعتبره تدخلاً زائداً في قطاع استراتيجي يشهد إعادة هيكلة عميقة.
البنك بين التاريخ والمستقبل
اليوم، يقف مونتي دي باسكي دي سيينا عند مفترق طرق تاريخي.. بنك يحمل لقب الأقدم في العالم، ويختزن أكثر من 550 عاماً من التاريخ المالي، لكنه في الوقت نفسه أحد أبرز أصول الصراع المصرفي الحديث في أوروبا.
وبين محاولات الدمج، وضغوط الربحية، وتغيرات المشهد المصرفي العالمي، يبقى مستقبل البنك مرتبطاً بقدرته على التكيف مع اقتصاد حديث لا يعترف فقط بالتاريخ، بل أيضاً بالحجم والكفاءة والقدرة التنافسية.