بلدة صغيرة مغمورة تتصدر.. خارطة تمركز الأثرياء في إيطاليا
تتسم إيطاليا بواقع اقتصادي غير متوازن، يتجلى في فجوة حادة بمستويات الدخل بين المدن والمناطق في شمال البلاد المزدهر وجنوبها الأقل حظًا.
وفي ظل البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الاقتصاد والمالية الإيطالية لعام 2024 (المعلنة في 2025)، تتكشف صورة دقيقة للوضع الاقتصادي في إيطاليا، ويظهر تفاوتًا واضحًا في مستويات الدخل بين المدن والمناطق.
المدن الأكثر ثراءً: صعود غير متوقع لبلدة صغيرة
تصدرت بلدة "ماكستورنا" الصغيرة، الواقعة في مقاطعة لودي شمال إيطاليا، قائمة أغنى البلديات في البلاد، بحسب مجلة "جراسيا" الإيطالية في نسختها الفرنسية.
وعلى الرغم من أنها غير معروفة على نطاق واسع، فإنها سجلت أعلى متوسط دخل للفرد، حيث بلغ نحو 72,684 يورو سنويًا، بزيادة ضخمة تجاوزت 195% مقارنة بالعام السابق، وهذا الصعود اللافت أطاح بمدن لطالما احتلت الصدارة.
ومن بين هذه المدن مدينة لاجاتيكو، التي جاءت في المرتبة الثانية بمتوسط دخل 69,475 يورو، ومدينة بورتوفينو، التي تراجعت إلى المركز الثالث بمتوسط 61,616 يورو.
ويرجح أن هذا الارتفاع الكبير في مداخيل "ماكستورنا" يعود إلى انتقال عدد محدود من أصحاب الدخول المرتفعة إليها، خاصة وأن عدد دافعي الضرائب فيها لا يتجاوز 76 شخصًا، وهو ما يجعل أي تغيير في التركيبة السكانية مؤثرًا بشكل كبير على المتوسط العام.
هيمنة شمال إيطاليا: ميلانو في الصدارة الإقليمية
وتواصل مقاطعة ميلانو ترسيخ موقعها كأغنى المناطق من حيث متوسط الدخل المصرح به. وتبرز عدة مدن وبلدات محيطة بها ضمن قائمة الأعلى دخلًا، ما يعكس قوة النسيج الاقتصادي في هذه المنطقة وتمركز الثروة فيها. ففي المرتبة الرابعة تأتي بازيليو بمتوسط دخل يبلغ 53,686 يورو للفرد، تليها كوساغو بمتوسط 43,404 يورو.
كما تسجل توري ديزولا دخلًا متوسطه 42,784 يورو، بينما تصل المداخيل في بينو تورينيزي إلى 40,538 يورو. أما فورتي دي مارمي فتسجل بدورها متوسط دخل يبلغ 40,248 يورو، لتؤكد مجتمعةً هيمنة مناطق الشمال، وخاصة محيط ميلانو، على صدارة الترتيب الاقتصادي في البلاد.
أما مدينة ميلانو نفسها، فقد تراجعت مركزين مقارنة بالعام السابق، لتحتل المرتبة العاشرة بمتوسط دخل 40,237 يورو للفرد، ما يعكس وجود تفاوت داخلي حتى داخل المناطق الغنية.
المدن الكبرى: تفاوت واضح في مستويات الدخل
أما عند النظر إلى المدن الإيطالية الكبرى، فتظهر صورة أكثر تباينًا. فمدن مثل بولونيا وروما وفلورنسا تحتل مراتب متوسطة من حيث الدخل الفردي، في حين تتراجع مدن أخرى مثل تورينو بشكل ملحوظ.
ويبرز الوضع بشكل أكثر وضوحًا في جنوب البلاد، حيث تأتي نابولي في مرتبة متأخرة جدًا، ما يعكس ضعف مستويات الدخل مقارنة بالشمال.
وتؤكد هذه الأرقام استمرار الفجوة الاقتصادية العميقة بين شمال إيطاليا وجنوبها. فمناطق مثل لومبارديا وترينتينو-ألتو أديجي وإميليا-رومانيا تسجل أعلى متوسطات للدخل، مدفوعة ببنية اقتصادية قوية وصناعات متطورة.
في المقابل، لا تزال مناطق الجنوب مثل كالابريا وموليزه وبوليا تعاني من انخفاض ملحوظ في مستويات الدخل، رغم تسجيلها نسب نمو إيجابية.
ويُظهر هذا الترتيب أن الحجم أو الأهمية التاريخية للمدينة لا يعني بالضرورة ارتفاع مستوى الدخل، إذ تتقدم بعض البلديات الصغيرة على المدن الكبرى.
الفجوة بين الشمال والجنوب: انقسام مزمن
تؤكد الأرقام استمرار الانقسام الاقتصادي العميق داخل إيطاليا، حيث تتفوق مناطق الشمال بشكل واضح.
وتُظهر البيانات أن أعلى المناطق دخلًا في إيطاليا تتركز في الشمال، حيث تتصدر لومبارديا القائمة بمتوسط دخل يبلغ 29,421 يورو للفرد، مسجلة زيادة بنسبة 3.7%. تليها منطقة ترينتينو-ألتو أديجي بمتوسط 27,978 يورو (+3.9%)، ثم إميليا-رومانيا التي تسجل 27,434 يورو (+3.7%). ويعكس هذا الترتيب قوة الاقتصاد في شمال البلاد، حيث تتركز الصناعات المتقدمة والبنية التحتية الأكثر تطورًا.
ورغم تسجيل الجنوب نسب نمو أعلى نسبيًا، إلا أنه لا يزال متأخرًا بشكل واضح من حيث مستويات الدخل.
ووفقًا للمجلة، فإن هذه الأرقام تعكس واقعًا اقتصاديًا معقدًا في إيطاليا، يتميز بتفاوت حاد بين البلديات، حيث يمكن لبلدة صغيرة أن تتصدر القائمة بسبب عوامل ديموغرافية محدودة، وهيمنة واضحة للشمال اقتصاديًا، خاصة منطقة لومبارديا.
كما تعكس تلك الإحصاءات أيضًا الفجوة المستمرة بين الشمال والجنوب، رغم التحسن النسبي في بعض المناطق الجنوبية، وتباينًا داخل المدن الكبرى نفسها، ما يشير إلى تفاوت اجتماعي داخلي.
في المقابل، تأتي أدنى مستويات الدخل في مناطق الجنوب، حيث تسجل كالابريا متوسط دخل يبلغ 18,474 يورو (+4.6%)، تليها موليزه بـ 19,889 يورو (+4.6%)، ثم بوليا بمتوسط 19,936 يورو (+4.8%). وعلى الرغم من تحقيق هذه المناطق نسب نمو إيجابية، فإنها لا تزال متأخرة بشكل واضح مقارنة بمناطق الشمال، ما يؤكد استمرار الفجوة الاقتصادية بين طرفي البلاد.
وتبقى هذه المؤشرات دليلًا على التحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد الإيطالي، خاصة فيما يتعلق بتحقيق توازن تنموي بين مختلف مناطقه.
