هجرة الأثرياء من فرنسا إلى إيطاليا.. ماذا خسرت باريس؟
برزت إيطاليا كوجهة مفضلة لرؤوس الأموال الباحثة عن الاستقرار الضريبي والوضوح التشريعي، وسط تحولات واسعة ناتجة عن تنافس الدول الأوروبية على جذب الرساميل الخاصة والحفاظ عليها.
وحسب صحيفة "ليزيكو" الفرنسية، شهدت أوروبا في عام 2025 تحولًا لافتًا في خريطة الثروات الكبرى، في ظاهرة توصف بأنها هادئة من حيث الشكل، لكنها عميقة الأثر اقتصاديًا واستراتيجيًا، فبينما تسجل فرنسا مغادرة مئات من أصحاب الثروات الضخمة، تبرز إيطاليا كوجهة لهم.
وكان تقرير صادر عن شركة "هيلني آند بارتنرز" المتخصصة في استشارات الهجرة الاستثمارية، قد كشف في وقت سابق أن نحو 800 مليونير غادروا فرنسا خلال عام 2025.
وعلى الرغم من أن هذه الظاهرة ليست جديدة بالكامل، فإن وتيرتها المتصاعدة هذا العام تمنحها طابعًا بنيويًا واضحًا.
معايير دقيقة
ويشير خبراء الاقتصاد، إلى أن الفئات المعنية تمتلك رؤوس أموال عالية الحركة، وتقوم بقراراتها بناءً على معايير دقيقة تشمل مستوى الضرائب، واستقرار القوانين، وإمكانية التنبؤ بالسياسات الاقتصادية على المدى المتوسط والطويل.
وفي هذا السياق، باتت فرنسا من وجهة نظر المستثمرين بيئة أقل وضوحًا من حيث الرؤية المستقبلية، ما سرع قرارات المغادرة.
في المقابل، نجحت إيطاليا في استقطاب أكثر من 3600 من أصحاب الثروات الكبيرة خلال الفترة نفسها، متجاوزة بذلك دولًا تقليدية في هذا المجال مثل سويسرا.
ويعزو محللون هذا النجاح إلى استراتيجية إيطالية واضحة تقوم على توفير إطار ضريبي مستقر، ونظام قانوني يضمن استمرارية القواعد دون تغييرات مفاجئة، إضافة إلى حوافز موجهة للمقيمين الجدد من أصحاب الرساميل.
ويمنح هذا المناخ المستثمرين الدوليين عنصرًا حاسمًا في قراراتهم، يتمثل في الأمن القانوني والرؤية طويلة الأمد، وهي عوامل باتت لا تقل أهمية عن مستوى الضرائب نفسه.
تداعيات الهجرة المالية
ولا تقتصر تداعيات هذه الهجرة المالية على خسارة العائدات الضريبية فقط، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 15% من المليونيرات المغادرين هم رواد أعمال أو مؤسسو شركات أو مستثمرون نشطون.
وغالبًا ما يرتبط انتقالهم الجغرافي بنقل مشاريع اقتصادية، أو تغيير مقرات شركات، أو إعادة توجيه تدفقات استثمارية نحو دول الاستقبال.
وتلعب هذه الرساميل دورًا محوريًا في تمويل الابتكار ودعم الاقتصاد الحقيقي، ما يمنح الدول المستقبِلة دفعة إضافية على صعيد النمو وخلق فرص العمل.
كما يترك خروج الثروات الكبرى أثرًا تراكميًا على الاقتصاد المحلي. فحول كل ثروة كبيرة يدور نظام متكامل يضم مديري أصول، ومستشارين قانونيين، وشركات تكنولوجيا، وفاعلين في القطاع العقاري والخدماتي.
ومع انتقال هذه الثروات، تتحرك تدريجيًا هذه الشبكة الاقتصادية، ما يؤثر على فرص العمل غير المباشرة، ويحد من الدينامية الريادية، ويضعف قدرة الدولة على جذب مشاريع خاصة جديدة في المدى الطويل. ورغم أن هذا الأثر قد لا يظهر بشكل فوري، فإنه يتراكم مع الوقت ويترك بصمة واضحة على النسيج الاقتصادي.
عقلانية الأثرياء
ويرى خبراء أن ما تشهده أوروبا في هذا السياق هو نتاج تحكيم اقتصادي عقلاني أكثر منه موقفًا سياسيًا أو أيديولوجيًا. ففي ظل بيئة تنظيمية يُنظر إليها على أنها متقلبة، يميل أصحاب الرساميل إلى اختيار دول تضمن الاستقرار والوضوح في القواعد.
وهكذا، تنجح إيطاليا في استقطاب ثروات متنقلة، بينما تواجه دول أخرى، من بينها فرنسا، تحديًا متزايدًا في الاحتفاظ برؤوس الأموال الخاصة.
وتكمن المسألة الجوهرية هنا في أن القدرة على جذب أو نفور رأس المال الخاص تشكل عاملًا حاسمًا في تحديد مسار النمو الاقتصادي على المدى الطويل.
ولا يقتصر هذا القلق على أصحاب الثروات الكبرى فحسب، إذ باتت حالة عدم اليقين المالي والضريبي تؤثر أيضًا في شريحة أوسع من المدّخرين.
ففي ظل التوترات الاقتصادية وتبدل السياسات، يتجه بعض الأفراد إلى تنويع محافظهم الاستثمارية واللجوء إلى أصول ملموسة مثل الذهب أو الفضة، باعتبارها أدوات تحوط في مواجهة القرارات غير المتوقعة والمخاطر النظامية، ضمن مشهد أوروبي يتسم بتزايد التباين بين الدول. وفي المحصلة، يطرح نزوح المليونيرات من فرنسا نحو إيطاليا سؤالًا جوهريًا حول جاذبية الاقتصاد الفرنسي واستدامة سياساته الضريبية.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMjE0IA== جزيرة ام اند امز