قنابل هتلر لا تزال تنبض.. إرث قاتل تحت الأرض يهدد أوروبا
تخلف الحروب أضرارا واسعة بعضها يمكن التخلص من آثاره والبعض الآخر يبقى لعقود طويلة.
كتاب "بليتز: عندما وصلت الحرب العالمية الثانية إلى الديار" للمؤلف والمحارب السابق في سلاح الجو الملكي البريطاني جون نيكول، يركز على الخطر المستمر الذي تمثله القنابل غير المنفجرة من الحرب العالمية الثانية حتى يومنا هذا، إضافة إلى الشجاعة الاستثنائية التي أظهرها خبراء التخلص من المتفجرات خلال الحرب.
فبعد مرور أكثر من ثمانين عامًا على انتهاء الحرب العالمية الثانية، لا يزال هناك قنابل غير منفجرة يتم اكتشافها بانتظام في بريطانيا وأوروبا، بحسب مقتطفات نشرتها صحيفة "ديلي إكسبريس" البريطانية.
وفي المملكة المتحدة يتم العثور على نحو 60 قنبلة غير منفجرة سنويًا، بينما يتم العثور في ألمانيا على مئات الأطنان من الذخائر التي ألقتها قوات الحلفاء خلال الحرب وقد أدى التعامل مع هذه القنابل إلى وقوع حوادث قاتلة حتى في العصر الحديث، مما يسلط الضوء على استمرار هذا التهديد الذي خلفته الحرب.
وعلى سبيل المثال، وقعت حادثة عام 2015 في منطقة "ساوث وارك" شرق لندن حيث تم اكتشاف قنبلة ألمانية تزن ألف رطل مدفونة تحت موقع كان يستخدم سابقًا كمركز للمتقاعدين.
وأثارت الحادثة تعليقات ساخرة تفيد بأن كبار السن أمضوا عقودًا يشربون الشاي فوق قنبلة دون أن يعلموا بذلك، في إشارة إلى الصمود البريطاني المعروف باسم "روح البليتز".
ورغم أن كثيرين يربطون غارات "البليتز" بلندن وحدها، يوضح المقال أن هجمات سلاح الجو الألماني طالت مدنًا عديدة في أنحاء بريطانيا واستمرت قرابة ست سنوات مثل "نورث شيلدز" مسقط رأس الكاتب، والتي كانت هدفًا متكررًا بسبب أهميتها الصناعية.
ويستعيد أحد سكان المدينة وهو نورمان كريستنسون، ذكريات طفولته عندما كان الأطفال يجمعون شظايا القنابل كتذكارات ثمينة، يتبادلونها ويتفاخرون بها.
إلا أن هذا السلوك كان محفوفًا بالمخاطر، إذ أدى إلى مقتل رجلين على أحد الشواطئ بعدما التقط أحدهما جسمًا مجهولًا انفجر فجأة، تاركًا وراءه عائلتين مفجوعتين.
ووفقا للكتاب فبحلول سبتمبر/أيلول 1940، اقترب عدد القنابل غير المنفجرة التي تم تحديد مواقعها في بريطانيا من أربعة آلاف قنبلة تتفاوت في الحجم من 50 كيلوغرامًا إلى 2500 كيلوغرام.
ومن أشهر هذه القنابل "هيرمان" التي تزن ألف كيلوغرام، وقنبلة "الشيطان" البالغة 1800 كيلوغرام، والقنبلة العملاقة "ماكس" التي بلغ وزنها 2500 كيلوغرام وكانت القنابل الأصغر وزنًا، مثل فئتي 250 و500 كيلوغرام، الأكثر انتشارًا.
وتتكون هذه القنابل من هيكل معدني انسيابي مزود بزعانف للتثبيت ومملوء بمواد شديدة الانفجار. كما احتوت على أنظمة صواعق متعددة ومتطورة نسبيًا.
وبعض هذه الصواعق كانت تفجر القنبلة فور ارتطامها بالأرض، بينما تم تصميم البعض الآخر لتنفجر بعد ساعات أو أيام من سقوطها كما كانت هناك صواعق مضادة للعبث شديدة الحساسية لدرجة أنها قد تنفجر نتيجة اهتزازات بسيطة تسببها شاحنة تمر بالقرب منها.
ونحو 8% من القنابل شديدة الانفجار التي سقطت على بريطانيا لم تنفجر عند الارتطام، سواء بسبب أعطال أو بسبب تصميمها المتعمد ومع ذلك ظلت هذه القنابل تمثل خطرًا قاتلًا وقد تعرض الكثير منها للدفن على أعماق تصل إلى عشرات الأقدام تحت الأرض، سواء في الحقول أو الحدائق أو أسفل المنازل والطرق.
لكن المشكلة الكبرى تمثلت في أن السلطات البريطانية لم تكن مستعدة بشكل كافٍ للتعامل مع هذا النوع من التهديد فقد افترض المسؤولون قبل الحرب أن معظم القنابل غير المنفجرة ستظل ظاهرة على السطح ويسهل التعامل معها لذا تلقى أوائل أفراد فرق التخلص من القنابل تدريبًا بدائيًا للغاية.
ويروي الجندي المهندس هنري بيكينغهام، الذي كان في التاسعة عشرة من عمره، أنه خضع لدورة تدريبية استمرت يومًا واحدًا فقط قبل إرساله إلى الميدان.
وفي البداية كانت فرق التخلص من القنابل صغيرة ومحدودة الإمكانات، تضم بضعة مهندسين ومعدات بسيطة مثل المعاول والمجارف والأكياس الرملية واعتمد أفرادها على أدوات منزلية كالمطارق والأزاميل لفك الصواعق ومع تراكم الخبرة، جرى تطوير أدوات أكثر تخصصًا لتسهيل هذه العمليات الخطيرة.
ووصف بيكينغهام ظروف العمل القاسية خلال الغارات الجوية اليومية وقال إنه في غضون أسبوعين فقط تعاملت وحدته مع 470 قنبلة غير منفجرة.
وفي إحدى المهام، أمضى أيامًا في حفر حديقة منزل شرق لندن بحثًا عن قنبلة مدفونة، وعندما قرر الفريق التوقف والعودة في اليوم التالي، انفجرت القنبلة بعد مغادرتهم بساعة واحدة فقط، مما ألحق أضرارا جسيمة لأربعة منازل.
وفي مهمة أخرى داخل مقبرة، اضطر الفريق إلى الحفر بين القبور المتضررة وكانت الجثث المتحللة تسبب روائح خانقة، لكن الجنود واصلوا عملهم لتفكيك القنابل المدفونة وسط ظروف مروعة.
ويسلط الكتاب الضوء على بطولات ضباط التخلص من القنابل في البحرية الملكية مثل الملازم البحري جاك إيستون، الذي كان يدرك دائمًا أن كل مهمة قد تكون الأخيرة في حياته.
ويروي إيستون حادثة تعامل فيها مع لغم بحري مظلي ضخم اخترق أحد المنازل في شرق لندن. وبينما كان يحاول تفكيكه على ضوء شمعة، انهار جزء من المبنى وبدأت آلية التفجير بالعمل. وأدرك إيستون أن أمامه ثواني معدودة للنجاة، فاندفع خارج المنزل بأقصى سرعة وبعد لحظات وقع انفجار هائل دمر أو ألحق أضرارًا بستة شوارع كاملة.
وفي حين نجا إيستون بأعجوبة رغم إصابته بكسور خطيرة في الظهر والجمجمة والساقين، لكن زميله بينيت ساوثويل قُتل في الانفجار، تاركًا زوجة شابة وطفلًا رضيعًا.