ما الذي يجمع إيران والإخوان رغم الخلاف المذهبي؟ وأي تقاطعات دفعت نحو تجاوز حدود هذا التباين لتكرس مسار توافق بالمصالح؟
ملف يعود للواجهة مجددا في ظل التصعيد الإقليمي الراهن وتداخل ساحات الصراع، ودخول الإخوان على الخط، في ظهور غالبا ما يرتبط بمحاولات استثمار الفوضى والاندساس بتفاصيل التطورات ومنعطفات الأحداث.
وفي الساعات الأولى من الحرب الأمريكية ضد إيران، أصدرت جماعة الإخوان -جبهة لندن-، المدرجة على قوائم الإرهاب بالعديد من الدول، بيانًا للقائم بأعمال المرشد صلاح عبد الحق.

وفي بيانها، عبرت الجماعة عن إدانتها للعمليات العسكرية ضد طهران، مؤكدة وقوفها معها في الحرب الدائرة، كما دعت قادة المنطقة للتدخل من أجل وقف الحرب فورًا.
لكن اللافت هو أنه حين استهدفت إيران دولا عربية في منطقة الخليج، لم تصدر الجماعة أي بيانات لإدانة تلك التحركات.
والأمر، وفق مراقبين، لا يعتبر غريبًا على الإخوان، الجماعة التي لطالما انحازت ضد المصالح العربية وعقدت تحالفات مع قوى تهدف لزعزعة الاستقرار في المنطقة.
ويرى هؤلاء أن العلاقات بين الجماعة وإيران دخلت مرحلة جديدة بالفترة الأخيرة عنوانها التنسيق والدعم المتبادل لمصالحهما الخاصة.
وأصبحت هذه العلاقة أكثر اتساقًا، ففي حين تراجع المحور الإيراني الذي يُسمي نفسه بـ«محور المقاومة»، برزت جماعة الإخوان لتظهر نفسها كحليف قديم جديد لطهران، وتعبر علانية عن دعمها للمحور المتداعي.
ففي لحظة الحرب الإيرانية، سارع القائم بأعمال مرشد الإخوان صلاح عبد الحق لإدانة الضربة الأمريكية على إيران، ووصفها بأنها «محاولة غير شرعية لتغيير النظام الإيراني ولإخضاع المنطقة لسراب الهيمنة الإسرائيلية».
أيضا، أصدرت جبهة المكتب العام المسماة بـ«تيار التغيير»، بيانا لدعم إيران، تضمن عبارات يُفهم منها أن الجماعة أو على الأقل هذه الجبهة، تعتبر نفسها جزءًا من المحور الإيراني.
وقالت إن الأحداث الجارية في المنطقة، ومنها الحرب الإيرانية، «تدفع الجميع للوقوف صفًا واحدًا بمواجهة الولايات المتحدة وحلفائها»، كما أدانت الجماعة الضربات ضد إيران، معتبرةً أن المعركة ستتوسع ولن تقف عند حدودها فحسب بل ستمتد لتشمل دول المنطقة بالكامل.
سر التقاطع
وفي قراءته للموضوع، يرى طارق البشبيشي، الخبير في شؤون جماعة الإخوان والحركات الإسلامية، أن الدعم الذي أبدته جماعة الإخوان لطهران خلال الفترة الأخيرة «متوقع».
وفي حديث لـ«العين الإخبارية»، يرجع البشبيشي، ما تقدم إلى حقيقة أن «نظام الولي الفقيه في طهران محسوب على مربع الإسلام السياسي الراديكالي وهو نظام حليف بشكل مباشر وغير مباشر للجماعات الإسلاموية الأخرى وعلى رأسها الإخوان».
وأضاف أن «الموقف الذي اتخذته بعض جبهات الإخوان في سياق الحرب الحالية سيؤدي إلى مزيد من الانقسامات داخلها بالفترة المقبلة».
وأشار البشبيشي إلى أن الجماعة المدرجة على قوائم الإرهاب «تُدرك أن انهيار نظام الولي الفقيه الإيراني هو ضربة قوية لتنظيم مثل الإخوان، لأن العلاقات بينهما قوية ومعقدة ومتشابكة».
واستنادا لما تقدم، خلص الخبير إلى أن «الجماعة تشعر بالخطر من الحرب الجارية حاليا وتداعياتها على محور الإسلام السياسي، لأن إيران دولة محورية لهذا التحالف كما أن الإخوان تعتمد عليها في نواحي تتعلق بانتشار الجماعة وبقاء تنظيمها».
وبالنسبة له، فإن «البيانات الصريحة التي أصدرتها الجماعة وتنحاز فيها إلى إيران التي استهدفت دول الخليج العربي وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، سيكون حافزًا لمزيد من الإجراءات التي ستتخذ لاحتواء ما تبقى من أنشطة هذه الجماعة الإرهابية التي أثبتت أنها تعادي دول المنطقة في كل مناسبة ممكنة».
جذور العلاقات
ولا تقتصر العلاقة بين طهران والإخوان على مجرد التحالف الحالي الذي برز خلال الحرب الحالية، فكلا الطرفين لديهما أيديولوجية أصولية لها جذور مشتركة.
فعلى سبيل المثال، كان المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي الذي قتل في بداية الحرب الحالية، متأثرًا بفكر منظر الإخوان سيد قطب، وترجم كتبه التي تتضمن أفكاره الراديكالية حول جاهلية المجتمع والعمل على تغييره بالقوة، مثل كتاب «معالم في الطريق» إلى اللغة الفارسية.
وهذه العلاقة سمحت لطهران والإخوان بالتقارب منذ لحظة قيام الثورة في عام 1979، وسارعت الإخوان وأفرعها في الإقليم إلى إعلان تأييدها لهذه الثورة.
وزار عدد من كبار قادتها، منهم مفوضا العلاقات الدولية للإخوان يوسف ندا وإبراهيم صلاح الدين، طهران، وقدما تهانيهما للمرشد الإيراني السابق روح الله الخميني، ووعداه بالدعم.
واستقت الإخوان من الأيديولوجية الإيرانية الخاصة بنظام الولي الفقيه، وسعت لنقل مبادئها لأفرعها في دول أخرى ولاسيما مصر.
وقالت الجماعة في مناسبات عديدة إنها تعمل على «تثوير» المجتمع من قاعدته، وبناء قواعد دعم لأيديولوجيتها في المجتمعات المسلمة بمصر ودول أخرى.
وقدمت الجماعة دعمًا استثنائيًا لإيران خلال الفترة التالية للثورة الخمينية بما في ذلك دعمًا لوجستيا حيويا في سنوات حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق.
وعملت كذلك على التوسط بينها وبين جماعات كردية متمردة على طهران وناشطة في المناطق الحدودية مع العراق.
منصة حوار
كما أسست إيران والإخوان ما سموه «منتدى الوحدة الإسلامية»، وكان هذا المنتدى عبارة عن منصة حوار مفترضة للتقارب السني الشيعي، لكنه كان في جوهره محاولة إخوانية لمزيد من التغلغل داخل المجتمعات الإسلامية في الشرق والغرب.
وشارك في هذا المنتدى وغيره قادة ودعاة محسوبون على الإخوان منهم نائب المرشد العام للجماعة ثم القائم بعمله إبراهيم منير، والداعية المثير للجدل يوسف القرضاوي وآخرين.
وحين وصلت الجماعة، المدرجة على قوائم الإرهاب إلى الحكم في مصر عام 2012، رأت أنها يمكن أن تتحول لجمهورية على غرار النموذج الإيراني الذي اقتدت به.
وحينها، ظهر التقارب الإيراني الإخواني في الزيارات التي تبادلها الرئيسان السابقان، الإيراني محمود أحمدي نجاد للقاهرة، والمصري الراحل محمد مرسي إلى طهران.
وراجت أنباء عن أن إيران قدمت دعمًا عملياتيا للإخوان من أجل تأسيس حرس ثوري على غرار النموذج الإيراني، لكن الجماعة لم تلبث في الحكم طويلا فأطيح بها وتبدد مشروعها لاستنساخ النموذج الإيراني في مصر.
ولم تؤد الإطاحة بالجماعة من الحكم إلى قطع الصلات بينها وبين طهران، بل تعززت هذه العلاقة في الفترة التالية، وزار عدد من كبار قادة الإخوان طهران سرًا خلال السنوات من 2013 وحتى الآن، ومن أبرز هؤلاء رضا فهمي، رئيس «مشروع ميدان الإخوان»، والبرلماني السابق عن الجماعة، ومجموعة أخرى من قياداتها.
وقدمت طهران دعمًا وتمويلا لمشروعات وقيادات إخوانية، وزاد التنسيق في الفترة من 2023 وحتى اللحظة الحالية مدفوعًا بتقارب إضافي بين المحور الإيراني وجبهات الجماعة المختلفة، وسعيهما لتنسيق جهودهما ضمن ما يعرف بـ"وحدة الساحات"، خاصةً بعد هجوم الـ7 من أكتوبر/تشرين أول 2023 الذي شنته حركة حماس الفلسطينية ضد إسرائيل.
وخلال تلك الفترة، حرص القائم بعمل مرشد الإخوان على إظهار اهتمامه بالشأن الإيراني عبر إصدار بيانات دورية حول الأحداث التي تحصل في هذا البلد، ومنها حادثة سقوط طائرة الرئيس السابق إبراهيم رئيسي في منتصف عام 2024.
وكذلك وجه القائم بعمل مرشد الإخوان صلاح عبد الحق رسالة إلى المرشد الإيراني السابق علي خامنئي خلال حرب الاثني عشر يومًا بين إسرائيل وطهران، وشاركت فيها أمريكا.
وجاء في تلك الرسالة أن الحرب التي شنتها إسرائيل على إيران، منتصف العام الماضي، جاءت بسبب دعم طهران للمحور المعروف بـ«محور المقاومة».
وزعم القائم بعمل مرشد الإخوان أن الحرب على إيران هي حرب على الجماعة لأنها تقف معها في جبهة واحدة وتعمل على التوحد معها ومع بقية فصائل المحور في لبنان والعراق وفلسطين واليمن، حيث تنشط المليشيات الولائية الوكيلة عن طهران.
وكشفت تلك الرسالة وما تلاها من بيانات صادرة عن الإخوان، حجم التلاقي والتماهي بينها وبين طهران في لحظة حاسمة من عمر المنطقة.