قضية تعليق صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في أحد شوارع مدينة كربلاء العراقية مجرد حادثة تنظيمية مرتبطة بإجراءات تعليق اللافتات.
يأتي ذلك بعدما تحول الأمر خلال ساعات إلى جدل سياسي واسع أعاد فتح ملفات حساسة تتعلق بحدود حضور الرموز الخارجية داخل العراق، ومستوى قدرة الدولة على فرض قواعدها في الأماكن العامة، وطبيعة العلاقة بين بغداد وطهران في مرحلة إقليمية تشهد تغيرات سياسية وأمنية متسارعة.
فالواقعة التي بدأت مساء أمس الأحد بتدخل قوة أمنية لمنع تعليق صورة من دون موافقات مسبقة، سرعان ما انتقلت إلى سجال بين قوى سياسية وشخصيات مقربة من الفصائل المسلحة من جهة، وأطراف ترى أن الإجراء يمثل تطبيقاً لمفهوم سيادة الدولة من جهة أخرى، لتطرح تساؤلات أوسع بشأن مستقبل إدارة هذا الملف في العراق.
إجراء أمني أم رسالة سياسية؟
بدأت القصة عندما أقدم منتسبان يعملان في مديرية الدعم اللوجستي التابعة لهيئة «الحشد الشعبي» على تعليق صورة كبيرة لخامنئي في شارع الجمهورية وسط مدينة كربلاء العراقية، قبل أن تتدخل قوة حفظ النظام التابعة لوزارة الداخلية والمسؤولة عن المنطقة الواقعة بين الحرمين.
وبحسب مصادر أمنية مطلعة، فإن القوة الأمنية اعترضت على طريقة تنفيذ العمل لعدم وجود تنسيق أو موافقات رسمية مسبقة.
وأكدت أن المنطقة تخضع لإجراءات أمنية وتنظيمية خاصة، خصوصاً مع قرب موسم زيارة الأربعين (ذكرى أربعين الإمام الحسين) وتشديد الإجراءات المتعلقة بالمواكب واللافتات والنشاطات داخل مركز المدينة.
وأوضحت المصادر الأمنية في بغداد لـ"العين الإخبارية"، أن الاعتراض لم يكن مرتبطاً بشخصية خامنئي أو مضمون الصورة، وإنما بعدم الالتزام بالإجراءات التنظيمية المعتمدة، قبل أن يتم منع استمرار العمل وإيقاف المنتسبين لاتخاذ الإجراءات اللازمة.

شكوى مالك البناية
بدوره، اعتبر مسؤول كبير في مجلس محافظة كربلاء، أن ما جرى تداوله بشأن الواقعة على منصات التواصل الاجتماعي لم يعكس حقيقة التفاصيل كاملة، مشيراً إلى أن القضية أُخرجت من سياقها التنظيمي والإداري وأصبحت محل جدل سياسي وإعلامي واسع.
وقال المسؤول لـ"العين الإخبارية"، مفضلا عدم نشر هويته، إن مالك البناية التي شهدت الواقعة لجأ إلى الجهات الأمنية التابعة لقوات حماية العتبة العباسية بعد وضع الصور على واجهة المبنى من دون الحصول على موافقته.
وأوضح أن الإجراء الذي اتخذه اللواء أنور النصراوي جاء استناداً إلى شكوى رسمية وأوامر قانونية بإزالة الصور، داعياً إلى عدم استهدافه على خلفية تنفيذه لواجبه الأمني.

ورأى أن الجدل الذي رافق تعليق صور شخصيات أجنبية داخل العراق، وما تبعه من طرح صورة الضابط المسؤول عن الإزالة داخل مجلس النواب، يعكس تصاعداً في حدة الاستقطاب السياسي وحجم التأثير الخارجي.
لكن القضية أخذت منحى سياسياً بعدما أثارت ردود فعل من جهات مقربة من الفصائل المسلحة، إذ قال رئيس المجلس التنفيذي لمليشيا النجباء ناظم السعيدي إن رفع الصورة كان "تصرفاً شخصياً لا يمثل وجهة نظر الحكومة المحلية في كربلاء"، داعياً إلى مراعاة مشاعر ملايين الزائرين وعدم مصادرة حرياتهم.
في المقابل، اعتبر آخرون أن تدخل الأجهزة الأمنية يمثل تطبيقاً لسلطة الدولة وتنظيماً للمشهد العام داخل مدينة دينية ذات خصوصية أمنية.
بين التنظيم الإداري ورمزية السيادة
في قراءته للتطورات، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة كربلاء علي محسن الخفاجي، أن أهمية الحادثة لا ترتبط بالصورة بحد ذاتها، بل بما تحمله من رمزية في النقاش العراقي حول مفهوم السيادة وحدود حضور الشخصيات والرموز السياسية الأجنبية في الفضاء العام.
وفي حديث لـ"العين الإخبارية"، يقول الخفاجي: "خلال السنوات الماضية، شهد العراق حالات متعددة أثارت جدلاً مماثلاً، خصوصاً خلال احتجاجات أكتوبر (تشرين أول) عام 2019، عندما أُزيلت وأُحرقت صور شخصيات إيرانية بارزة في بغداد وعدد من مدن الجنوب، في رسالة احتجاجية على النفوذ الإيراني داخل البلاد".

واستشهد بما شهدته مرحلة ما بعد مقتل قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس مطلع عام 2020 من انتشار لجداريات وصور لهما في عدد من المدن العراقية، بعضها أثار اعتراضات وانتقادات من قوى سياسية وشعبية مختلفة.
وبحسب الخفاجي، فإن تكرار هذه الوقائع يعكس استمرار الجدل حول العلاقة بين التعبير عن التضامن السياسي أو الديني وبين ضرورة احترام هوية الدولة العراقية ومؤسساتها.
اختبار لهيبة الحكومة؟
تأتي واقعة كربلاء في توقيت سياسي حساس، بعد زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى طهران عقب زيارة واشنطن ولقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وسط استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.
ويرى المحلل السياسي إحسان كريم العبيدي أن هذا التزامن منح الحادثة أبعاداً سياسية إضافية، باعتبارها اختباراً لقدرة الحكومة على ترجمة خطابها بشأن تعزيز سلطة الدولة وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
وأشار، العبيدي لـ"العين الإخبارية"، إلى أن الحكومة العراقية تواجه معادلة معقدة تتمثل في الحفاظ على علاقاتها الإقليمية، وفي مقدمتها العلاقة مع إيران، مقابل مطالب داخلية متزايدة بضرورة تعزيز استقلال القرار العراقي.
من جانبها، علّقت النائبة في مجلس النواب العراقي عن كتلة الإعمار والتنمية صبا علي محمود السعدي على الجدل الذي أثارته إزالة صورة خامنئي من أحد شوارع مدينة كربلاء، مؤكدة أن الأولوية يجب أن تكون لإبراز رموز العراق وشهدائه باعتبار البلاد دولة مستقلة.
وقالت السعدي في تدوينة لها إن "شهداء العراق أحق برفع صورهم لأننا دولة مستقلة"، في إشارة إلى ضرورة أن تعكس الفضاءات العامة داخل المدن العراقية الرموز الوطنية التي تمثل تضحيات العراقيين.

رموز الخارج وانقسام المجتمع
,تقول الباحثة الاجتماعية في بغداد زهراء السعدي لـ"العين الإخبارية"، إن المدن الدينية مثل كربلاء والنجف تحمل خصوصية كبيرة، حيث تتداخل الاعتبارات الدينية والسياسية والشعبية، ما يجعل أي رمز مرتبط بدولة أو شخصية خارجية قابلاً للتفسير بأكثر من اتجاه.
وتضيف أن القضية لا تتعلق بالصورة فقط، بل بالسؤال الأوسع حول كيفية إدارة التعدد السياسي والاجتماعي داخل العراق، ومنع تحول الرموز إلى أدوات لتعميق الانقسام المجتمعي.
وشددت على أن العراق بحاجة إلى وضع قواعد واضحة للتعامل مع الرموز السياسية الخارجية، بحيث تكون العلاقات الدولية مبنية على المصالح الرسمية بين الدول وليس على حضور شخصيات أو شعارات داخل الفضاء العام.
وتابعت أن الحفاظ على علاقة مستقرة مع إيران لا يتعارض مع تعزيز السيادة العراقية، وأن الدول تحرص عادة على الفصل بين العلاقات الدبلوماسية الرسمية وبين النشاطات الرمزية والسياسية داخل أراضيها.
ولفتت الباحثة الاجتماعية إلى أن إدارة هذا النوع من الملفات تحتاج إلى قرارات مؤسساتية واضحة تشمل جميع الأطراف، سواء تعلق الأمر برموز إيرانية أو أمريكية أو غيرها، لضمان تطبيق مبدأ السيادة بشكل متساوٍ.
وأكدت أنه لا يختلف اثنان بأن هناك تياراً بدأ يتشكل منذ احتجاجات أكتوبر 2019 برفض استمرار النفوذ الإيراني ويسعى إلى تعزيز ودعم الاستقرار الوطني بعيداً عن الإملاءات الخارجية، مضيفة أن إزالة صورة خامنئي تعكس جانباً من رغبة بعض العراقيين في تقليص مظاهر النفوذ الخارجي.
لا لفرض الرموز
من جهته، اعتبر الناشط المدني في محافظة النجف علي جاسم البهادلي أن المدينة تمثل فضاءً عاماً مفتوحاً للجميع، ولا ينبغي أن تتحول إلى ساحة لفرض رموز أو توجهات جهة معينة على حساب بقية المواطنين.
وقال البهادلي في حديثه لـ"العين الإخبارية"، إن "كربلاء الحسين للعالم أجمع وليست للاستعراض الإعلامي لأي جهة مهما كانت".
واعتبر أن السماح لأي طرف بفرض رموزه في الأماكن العامة قد يفتح الباب أمام جهات أخرى للقيام بالأمر ذاته، بما يؤدي إلى تحويل الفضاء العام إلى ساحة للتنافس السياسي والرمزي.
وأضاف أن "الناس أحرار في قناعاتهم ومواقفهم، لكن لا يحق لأي جهة أن تفرض فكرتها أو رموزها على واجهات المدينة"، مؤكداً أن التعامل مع هذه القضايا يجب أن يكون وفق القانون والضوابط المنظمة لا وفق الانتماءات أو الاصطفافات السياسية.
ووفق البهادلي، فإن الإجراء الذي اتخذته القوات الأمنية في إزالة الصورة كان "صحيحاً وسليماً من الناحية القانونية".
وأرجع موقفه إلى أن تنظيم المظاهر واللافتات في المناطق الحساسة داخل كربلاء يخضع لإجراءات أمنية وإدارية تهدف إلى الحفاظ على النظام العام ومنع استغلال الأماكن العامة لأغراض قد تثير الجدل أو الانقسام.