غوفمان و«الموساد».. مقامرة نتنياهو تحت المجهر
في إسرائيل، لم يكن تعيين رئيس جهاز الموساد يومًا مجرد قرار إداري عابر، بل كان اختيارا يحدد شكل العلاقة بين السلطة السياسية و«أخطر» مؤسسات الدولة.
لكن قرار بنيامين نتنياهو الدفع برومان غوفمان ليكون المدير الرابع عشر للموساد، أثار تساؤلات حول ما إذا كانت معايير الخبرة التقليدية قد تراجعت لصالح معيار جديد عنوانه الولاء السياسي والثقة الشخصية، بحسب صحيفة «التايمز».
ففي لحظة تعيش فيها إسرائيل ارتدادات أمنية غير مسبوقة منذ هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول، يعيد نتنياهو بقراره رسم حدود استقلال الأجهزة، في خطوة يراها خصومه بداية مرحلة أكثر تسييسًا للمؤسسات الأمنية، حيث يصبح القرب من رئيس الوزراء بوابة النفوذ الأولى داخل دولة طالما تفاخر قادتها بمهنية أجهزتها.
صدمة داخل الموساد
وجاء تعيين غوفمان، السكرتير العسكري الحالي لنتنياهو والعضو في القيادة العليا للجيش الإسرائيلي، بمثابة صدمة داخل أروقة الموساد، إذ ينظر إليه على أنه «دخيل على نسيج الجهاز الذي لطالما فضّل استيلاد قادته من داخله»، بحسب الصحيفة البريطانية.
وقد تجاوز نتنياهو، بخطوته هذه، مرشحين داخليين مرموقين، أبرزهم الضابط المعروف بالحرف «أ» الذي كان يحظى بتزكية المدير المنتهية ولايته ديفيد بارنيا.
هذه السابقة أثارت حفيظة الصحافة الإسرائيلية حتى في معسكر اليمين التقليدي؛ فقد عنونت صحيفة «إسرائيل هيوم» بأن «نتنياهو يقامر بأمن إسرائيل»، في حين وصف محللون أمنيون مخضرمون، مثل يوآف ليمور، التعيين بأنه «افتقار صارخ للصلة بين كفاءات المرشح ومتطلبات المنصب»، مرجعين الدافع الوحيد إلى «العلاقة الوثيقة التي نسجها غوفمان مع رئيس الوزراء خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية».
ويخشى المنتقدون من أن تحول هذه الديناميكية دون ممارسة مدير الموساد لدوره الأكثر حساسية: وهو مصارحة القيادة السياسية بالحقائق المرة وتحدي الفرضيات الخاطئة.
ورغم أن غوفمان ليس غريبًا عن عالم العمليات العسكرية، فإن سجله الشخصي يحمل في طياته ما يبرر القلق بشأن أسلوب عمله.
ضابط يتخطى القواعد
ففي واقعة تعود إلى عام 2022، حين كان قائدًا لفرقة عسكرية، أقدم غوفمان على السماح بتسريب معلومات سرية ضمن إطار حرب التأثير النفسي باللغة العربية، مستعينًا بقاصر لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره كأداة للتسريب، وهو ما أدى إلى اعتقال الفتى لاحقًا وانكشاف الدور الإسرائيلي.
هذه الحلقة، التي أخرت المصادقة القضائية على تعيينه، تُلخص شخصية غوفمان القيادية: ضابط قد يتجاوز الحدود الإجرائية في سبيل تحقيق هدف تكتيكي.
وهنا يبرز التناقض العميق، ففي وقت تحتاج فيه إسرائيل إلى تفكير «خارج الصندوق» لمواجهة تداعيات السابع من أكتوبر/تشرين الأول والمواجهة المباشرة مع إيران، يرى البعض أن «جرأة غوفمان - حيث كان أرفع ضابط يخوض اشتباكات مباشرة مع مقاتلي حماس في ذلك اليوم الدامي قبل أن يُصاب وينسحب - قد تكون بالضبط ما يحتاج إليه الجهاز».
يأتي تعيين غوفمان تتويجًا لموجة تغيير جذرية تجتاح قمة الهرم الأمني الإسرائيلي منذ هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
فعلى عكس الموساد الذي نجا إلى حد كبير من تداعيات الإخفاق الاستخباراتي المتعلق بغزة، شهدت أجهزة الجيش والشاباك استقالات متتالية لقادتها؛ بدءا من رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية أهارون حليفا إلى رئيس الأركان هرتسي هاليفي ورئيس الشاباك رونين بار.
والأخير، الذي تم استبداله هو الآخر بشخصية عسكرية خارجية هي الجنرال ديفيد زيني، الذي اتهمه خصوم نتنياهو بأن خطيئته الحقيقية كانت رفضه الانصياع لإملاءات رئيس الوزراء في قضية محاكمته بالفساد.
هذا النمط المتمثل في إحلال ضباط ذوي ولاء شخصي و«تفكير نقدي» محل القادة المؤسسيين، يُعيد رسم خريطة العلاقة بين المستوى السياسي والأجهزة الأمنية، ويُثير تساؤلات عميقة حول استقلالية هذه الأجهزة في المستقبل.
تحديات عملياتية
وبعيدًا عن الجدل السياسي، يواجه غوفمان تحديات عملياتية جسيمة تتطلب إعادة ضبط بوصلته اللغوية والدبلوماسية. فكونه مولودًا في بيلاروسيا ومتحدثًا للروسية بطلاقة تفوق إجادته للإنجليزية، يمثل قطيعة عن النموذج التقليدي لرئيس الموساد الذي لطالما كان همزة الوصل الأساسية مع أروقة البنتاغون ووكالة المخابرات المركزية وجهاز الاستخبارات البريطاني.
وبينما يُتوقع تفويض مهام الوساطة الغربية لنائبه، تمنحه خلفيته السوفياتية السابقة ميزة في إدارة العلاقة الشائكة مع الكرملين في ظل حاجة إسرائيل لمساحات مناورة في الساحة السورية.

لكن تبقى الأسئلة الكبرى مطروحة حول قدرته على قيادة جهاز مثقل بإرث من الإخفاقات والتوقعات العالية في آن، لا سيما في ظل التعقيدات غير المسبوقة للحرب في غزة، وتآكل صورة إسرائيل عالميًا، والقرار المصيري بتوجيه ضربات مباشرة إلى قلب البرنامج النووي الإيراني.
وخلصت الصحيفة إلى أن تعيين رومان غوفمان يعكس رهان نتنياهو الشخصي على الرجل الذي يقف خلفه، مؤملاً أن تُحدث "جرأته" المعلن عنهما الفارق في لحظة فارقة.
وبينما يستعد غوفمان لتسلم مهامه رسميًا في يونيو/حزيران المقبل، تتجه أنظار تل أبيب، وواشنطن، وطهران على حد سواء، إلى هذه الشخصية المثيرة للجدل لترى إن كان ولاؤه لنتنياهو كافيًا لتعويض ما قد ينقصه من دهاء استخباراتي، أم أن هذه المقامرة ستقود جهاز الموساد إلى واحدة من أكثر فتراته اضطرابًا.