ضغوط عسكرية و«نهاية مطلوبة».. حرب إيران بميزان الكلفة والمخاطر
ضغوط مستمرة على إيران، ومطالبات أمريكية بـ"استسلام غير مشروط"، يفتحان سجلا واسعا من التحديات والخيارات.
وكشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» في 13 مارس/آذار عن صدور أمر رئاسي بنشر قوة برمائية كبيرة في الشرق الأوسط تضم نحو خمسة آلاف جندي من مشاة البحرية والبحارة، مدعومة بعدد من السفن الحربية.
ويعكس هذا التحرك العسكري ما يبدو أنه هدف معلن داخل الإدارة الأمريكية يتمثل في ممارسة ضغوط قصوى قد تقود في نهاية المطاف إلى فرض استسلام غير مشروط على طهران.
غير أن مفهوم “الاستسلام غير المشروط”، بحسب مجلة ناشيونال إنترست، يحمل في الذاكرة التاريخية الأمريكية صوراً رمزية للانتصار العسكري، مثل استسلام قوات الجنوب في الحرب الأهلية الأمريكية، واستسلام اليابان في الحرب العالمية الثانية، وانهيار ألمانيا النازية.
واقع أكثر تعقيدا
لكن هذه اللحظات التي تُستحضر عادة باعتبارها قمماً للانتصار، تخفي وراءها واقعاً أكثر تعقيداً، إذ أعقبتها فترات طويلة من الاحتلال العسكري وإعادة بناء الدول المهزومة.
وبعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية استمرت الولايات الجنوبية تحت الأحكام العرفية نحو عقد كامل، بينما استمر احتلال الحلفاء لليابان سبع سنوات ولألمانيا نحو عشر سنوات، وهي فترات تطلبت موارد مالية وبشرية هائلة لإعادة تشكيل الأنظمة السياسية والاقتصادية في تلك البلدان.
ورغم هذه السوابق التاريخية، تبدو التكاليف الباهظة التي تترتب عادة على مثل هذه السيناريوهات غائبة إلى حد كبير عن النقاش الدائر حول التدخل البري المحتمل في إيران.
ويشير محللون إلى أن تجاهل هذه الدروس قد يقود إلى أخطاء مشابهة لتلك التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، عندما أسهمت شروط السلام غير المتوازنة في خلق بيئة سياسية واقتصادية ساعدت لاحقاً على صعود النازية في ألمانيا.
ويكشف التاريخ الحديث عن مسارين مختلفين لنتائج الاستسلام غير المشروط. ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية شهدت كل من ألمانيا واليابان تحولات سياسية عميقة تحت إشراف سلطات الاحتلال، حيث تحولت اليابان من نظام إمبراطوري عسكري إلى دولة ديمقراطية برلمانية، بينما انتقلت ألمانيا من نظام فاشي شمولي إلى جمهورية ديمقراطية اتحادية ذات مؤسسات قضائية مستقلة.
في المقابل، يقدم التاريخ مثالاً معاكساً في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، حين اقتصر الاحتلال على منطقة الراين دون تدخل عميق في البنية السياسية للدولة، الأمر الذي ترك جمهورية فايمار ضعيفة وغير مستقرة، ومهد الطريق لانهيارها وصعود النظام النازي بعد أقل من عقدين.
خيارات وتحديات
هذه السوابق التاريخية تضع صانعي القرار في واشنطن أمام خيارات معقدة. فالتوصل إلى تسوية مع بقايا النظام الإيراني قد يعني استمرار بنية السلطة الحالية ودورها الإقليمي، في حين أن السعي إلى تغيير جذري للنظام - مثل إقامة نظام سياسي علماني أو ملكية دستورية - قد يؤدي إلى إقصاء القوى الأمنية والعسكرية التي تشكل عماد الدولة الحالية، وهو ما قد يفتح الباب أمام صراع داخلي طويل أو تمرد مسلح واسع النطاق.
وتزداد تعقيدات هذا السيناريو عند النظر إلى حجم إيران وخصائصها الجغرافية والديمغرافية. فالبلاد تمتد على مساحة تقارب أربعة أضعاف مساحة العراق، ويبلغ عدد سكانها نحو تسعين مليون نسمة، كما تضم أجهزة أمنية يقدر عدد أفرادها بأكثر من مليون ونصف المليون عنصر.
هذه المعطيات تجعل أي عملية احتلال محتملة أكثر تعقيداً بكثير من التجارب السابقة. فاحتلال اليابان بعد الحرب العالمية الثانية تطلب أكثر من أربعمئة ألف جندي، بينما احتاجت ألمانيا إلى نحو ربع مليون جندي.
أما في العراق عام 2003، فقد حذر قادة عسكريون أمريكيون -آنذاك- من الحاجة إلى “مئات الآلاف من الجنود”، لكن الحرب بدأت بقوة أقل بكثير، وهو ما أسهم في الفوضى الأمنية التي أعقبت الغزو.
ولا تقتصر التحديات على الحجم السكاني فحسب، بل تشمل أيضاً الطبيعة الجغرافية لإيران، التي تتسم بسلاسل جبلية واسعة وصحارى شاسعة توفر دفاعات طبيعية معقدة، وتمنح أي مقاومة محتملة أفضلية استراتيجية.
إضافة إلى ذلك، تمتلك طهران شبكة من الحلفاء والفصائل المسلحة في المنطقة، تمتد من لبنان إلى اليمن والعراق، ما يمنحها القدرة على استهداف المصالح الأمريكية وقواعدها العسكرية خارج حدودها المباشرة.
كلفة اقتصادية
إلى جانب هذه التحديات العسكرية، تبرز الكلفة الاقتصادية للحرب بوصفها عاملاً حاسماً. وتشير تقديرات أولية إلى أن العمليات العسكرية قد تكلف نحو 891 مليون دولار يومياً، مع احتمال تجاوز هذا الرقم مليار دولار يومياً إذا توسعت العمليات.
وقدرت النفقات بعد الأسبوع الأول من الحرب بنحو 11 مليار دولار، بينما قد تصل الكلفة التشغيلية إلى خمسين مليار دولار خلال شهر واحد فقط.
لكن هذه النفقات المباشرة تمثل جزءاً محدوداً من التكلفة الحقيقية؛ إذ تشمل الحسابات الأوسع إعادة بناء المخزونات العسكرية من الأسلحة المتطورة، وتعويضات الجنود، وخدمة الديون التي ستترتب على تمويل الحرب.
وتشير تجارب سابقة إلى أن الكلفة النهائية للحروب غالباً ما تتجاوز بكثير التقديرات الأولية؛ فالحرب في العراق، التي قدرت في بدايتها بعشرات المليارات، بلغت تكلفتها الفعلية نحو ثمانية تريليونات دولار على مدى سنوات.
وفي هذا السياق، طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالفعل زيادة كبيرة في ميزانية الدفاع لتصل إلى نحو 1.5 تريليون دولار، وهو مستوى لم تشهده الولايات المتحدة منذ ذروة الحرب الكورية.
وإذا أقر الكونغرس هذه الزيادة في ظل ظروف الحرب، فقد تتحول إلى قاعدة دائمة يصعب تقليصها لاحقاً، ما يضيف أعباء مالية ضخمة على المدى الطويل.
وتتفاقم هذه المخاوف في ظل ارتفاع الدين العام الأمريكي الذي تجاوز 38 تريليون دولار، مع ارتفاع تكاليف الفائدة إلى مستويات أعلى بكثير مما كانت عليه خلال العقد الماضي. وقد أصبحت خدمة الدين بالفعل من أكبر بنود الإنفاق في الميزانية الفيدرالية، ما يعني أن أي حرب طويلة قد تزيد الضغوط المالية على الاقتصاد الأمريكي لعقود مقبلة.
مخاطر
ولا تقتصر التكاليف على الجوانب المالية فحسب، إذ تحمل الحروب عادة أثماناً إنسانية باهظة. فمع مشاركة عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين في العمليات، يواجه كثير منهم مخاطر التعرض لمواد سامة أو ملوثات ناتجة عن استهداف منشآت صناعية أو عسكرية.
وتشير تجارب سابقة، مثل حرب الخليج عام 1990، إلى أن نسبة كبيرة من الجنود قد تحتاج لاحقاً إلى رعاية صحية وتعويضات طويلة الأمد، ما قد يضيف مئات المليارات من الدولارات إلى التكلفة الإجمالية للحرب.
وتشير دروس التاريخ إلى أن الحروب لا تنتهي فعلياً عند لحظة الاستسلام، بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر تعقيداً تتمثل في إدارة ما بعد الحرب.
وكما أشار أحد المؤرخين العسكريين قبل عقود، فإن السيطرة على أرض ما لا تتحقق بالقصف الجوي وحده، بل تتطلب وجوداً على الأرض واستعداداً لتحمل كلفة طويلة الأمد. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة بالفعل لدفع هذا الثمن مرة أخرى.