«الإخوان» تزحف نحو ثلوج روسيا.. صعقة بوتين تبدد «أملا مستحيلا» (خاص)
حملة اعتقالات أطلقتها الأجهزة الأمنية الروسية، في سانت بطرسبورغ ومنطقتي موردوفيا وساراتوف، طالت شخصيات دينية بارزة مرتبطة بجماعة الإخوان، التي تصنفها روسيا إرهابية.
الاعتقالات جاءت بعد تصريحات أدلى بها المسؤول الشيشاني السابق رسلان كوتاييف تحدث فيها عن تنامي النفوذ الإسلامي في موسكو، وإمكانية تحوله إلى قوة حاسمة مستقبلًا في حال انهيار حكم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وفق ما نقلته صحيفة «إكسبريس» البريطانية.
وقال كوتاييف: «سنسيطر على موسكو. وعندما يحين الوقت المناسب، سنتحرك»، وفق قوله.
اعتقالات اعتبر خبيران تحدثت إليهما «العين الإخبارية» أن موسكو بدأت تدرك خطورة هذا المسار، خاصة بعد ظهور تصريحات علنية كشفت ما كان يُطرح سابقًا في دوائر مغلقة حول السيطرة على المجتمعات الغربية والتأثير في مؤسساتها.
وأكدا أن جماعة الإخوان والتنظيمات المرتبطة بالإسلام السياسي تعتمد خطابًا مزدوجًا داخل الدول الغربية وروسيا، يقوم علنًا على الاندماج واحترام القوانين، بينما يستند فعليًا إلى «التسلل الناعم» داخل المؤسسات والمجتمعات بهدف التوسع وفرض النفوذ تدريجيًا، لكن خروجها للعلن دفعت روسيا للتحرك.
وبينما كانت الجماعة تراهن على توسيع نفوذها تحت غطاء الاندماج، جاءت التحركات الأمنية الأخيرة كـ«صعقة» بددت ما يراه الخبراء «أملًا مستحيلًا» في اختراق الدولة الروسية.
«الإخوان» في الخلفية
وذكرت قنوات موالية للكرملين على تطبيق تليغرام أن المحققين يحققون في صلات بين رجال الدين المعتقلين و«هياكل أجنبية» وجماعة الإخوان، التي تعتبرها روسيا منظمة إرهابية.
وتحظر روسيا جماعة الإخوان وتصنفها منظمة إرهابية منذ عام 2003، بعد قرار أصدرته المحكمة العليا الروسية في 14 فبراير/شباط من ذلك العام، أدرج الجماعة ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية المحظورة.
وأكدت موسكو أن القرار جاء على خلفية دعم الجماعة لحركات إسلامية متشددة في شمال القوقاز خلال الحرب الشيشانية، والسعي لإقامة كيان إسلامي في المنطقة.
وجاء التصنيف في سياق تشديد روسي واسع على التنظيمات الإسلامية العابرة للحدود عقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 وتصاعد التمرد المسلح في القوقاز، حيث اعتبرت موسكو أن بعض الجماعات الإسلامية الدولية توفر غطاءً فكرياً أو دعماً غير مباشر للتنظيمات المسلحة داخل الأراضي الروسية.
دعوات ملاحقة
وأثارت التصريحات ردود فعل واسعة داخل الأوساط القومية والإعلامية المؤيدة للحرب في روسيا، حيث دعا مدونون عسكريون معروفون إلى فتح تحقيقات بشأن «الإدارة الروحية لمسلمي روسيا» المرتبطة بالكرملين.
وبحسب التقارير، استجاب جهاز الأمن الفيدرالي الروسي لهذه الدعوات عبر حملة اعتقالات وُصفت بأنها مرتبطة بالتحقيق في دعوات السيطرة على السلطة.
ومن بين المعتقلين رائل-خزرات أساينوف، المفتي المؤقت لموردوفيا وعضو الغرفة العامة الإقليمية، وذلك على خلفية اتهامات بتلقي رشوة.
كما أوقفت السلطات مفتي كاريليا السابق وسام علي باردفيل لمدة 15 يومًا بعد اتهامه برفض إبراز أوراقه في مطار شيريميتيفو بموسكو ومقاومة الاعتقال.
وتحدثت التقارير أيضًا عن اعتقال محمد هني، وهو شخصية إسلامية معروفة في سانت بطرسبورغ.
إضافة إلى الشيخ نضال عوض الله أحمد من منطقة ساراتوف، والذي سبق أن تلقى تحذيرات من جهاز الأمن الفيدرالي الروسي بسبب اتصالات أجنبية.
تحركات متأخرة
وفي هذا الإطار، قال الباحث المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية منير أديب، في حديث خاص لـ«العين الإخبارية»، إن كل التنظيمات الإسلامية الراديكالية، خاصة جماعة الإخوان والتنظيمات المرتبطة بالإسلام السياسي، تعتمد خطابين مختلفين في تعاملها مع الدول التي تنشط داخلها، سواء في أوروبا أو روسيا أو الصين أو الولايات المتحدة.
وأوضح أديب أن الخطاب الأول يكون معلنًا، ويركز على ضرورة الاندماج داخل المجتمعات التي فتحت أبوابها لهذه التنظيمات، واحترام قوانين تلك الدول والتعايش معها، بينما يوجد خطاب آخر غير معلن، يمثل ـ بحسب وصفه ـ «الواقع الحقيقي والسلوك الفعلي» لهذه التنظيمات، ويقوم على فكرة السيطرة التدريجية على هذه الدول ونشر العقيدة الخاصة بها باعتبارها «العقيدة المنتصرة».
وأضاف أن هذه التنظيمات تنظر إلى نفسها باعتبارها في حالة صراع طويل مع القيم الأوروبية أو قيم الدول التي تستضيفها، سواء كانت دولًا أوروبية مثل فرنسا وألمانيا وبلجيكا، أو حتى روسيا والصين والولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن هذا الخطاب لا يكون ظاهرًا دائمًا، لكنه يظهر في بعض «فلتات اللسان» أو في جلسات ودروس غير معلنة لا يجري تسليط الضوء عليها إعلاميًا.
وأشار إلى أن بعض رموز هذه التنظيمات يتحدثون في تلك اللقاءات عن «فتح واشنطن» أو «احتلال موسكو» يومًا ما، سواء كان ذلك عبر السيطرة الفكرية والعقائدية أو عبر النفوذ التدريجي داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، وهو ما وصفه أديب بـ«التسلل الناعم» داخل المؤسسات الرسمية.
وأكد الباحث أن هذه التنظيمات تعمل وفق القوانين التي تتيحها الدول الغربية، وقد تستفيد من هامش الحريات والقيم الديمقراطية للوصول إلى المؤسسات المحلية والبلديات والهياكل الحكومية، دون أن تتجاوز القانون بشكل مباشر، لكنها تستغل ـ بحسب تعبيره ـ «المساحات الرمادية» المتاحة داخل الأنظمة الديمقراطية.
ولفت أديب إلى أن أوروبا بدأت خلال السنوات الأخيرة تدرك خطورة هذا التغلغل، مشيرًا إلى مناقشات جرت داخل البرلمان الأوروبي قبل أيام بشأن ما وصفه بـ«التسلل الناعم للإخوان» داخل العواصم الأوروبية، معتبرًا أن روسيا بدأت بدورها تلتفت إلى هذا الخطر مؤخرًا.
وأوضح أن روسيا كانت تاريخيًا من أكثر الدول انفتاحًا على المسلمين، لكنه شدد على ضرورة التفريق بين الإسلام كدين والإسلام السياسي كتنظيمات تسعى لتحقيق أهداف سياسية وأيديولوجية.
وأضاف أن هذه التنظيمات تستغل أحيانًا فكرة التسامح مع المسلمين للتوسع داخل المجتمعات الغربية والشرقية على حد سواء.
وأشار إلى أن روسيا نفسها كانت ضحية لاستغلال هذه التنظيمات خلال الحرب الأفغانية، عندما استخدمت الولايات المتحدة تلك الجماعات ضد الاتحاد السوفياتي في نهاية سبعينيات القرن الماضي، معتبرًا أن هذه التنظيمات تحولت لاحقًا إلى نواة لتنظيمات إرهابية عابرة للحدود.
وأضاف أن موسكو ربما غضّت الطرف في فترات سابقة عن بعض الأنشطة المرتبطة بهذه التنظيمات، إما لاستغلالها سياسيًا أو بسبب عدم إدراك حجم التهديد الذي يمكن أن تمثله مستقبلاً، إلا أن التطورات الأخيرة دفعتها إلى إعادة النظر في هذا الملف.
وأكد أديب أن الخطاب الحقيقي لهذه التنظيمات غالبًا ما يكون خفيًا وغير معلن، ويظهر فقط داخل الاجتماعات المغلقة أو الدروس الخاصة أو المؤتمرات غير المفتوحة للإعلام، مشيرًا إلى أن التصريحات الأخيرة المتعلقة بالسيطرة على موسكو ربما لم تكن سوى كشف علني لما تؤمن به هذه الجماعات منذ سنوات.
وقال إن هذه التنظيمات لا تعتبر نفسها «ضيوفًا» على الدول الغربية أو الأوروبية، بل ترى ـ بحسب وصفه ـ أنها جزء من تلك المجتمعات وتسعى في النهاية إلى «فتحها» أو فرض نفوذها عليها بصورة تدريجية.
واستشهد الباحث بما حدث في بريطانيا خلال تسعينيات القرن الماضي، حين انتقل أحد قيادات ما يسمى بـ«الجهاد الإسلامي» إلى لندن، واستأجر شقة وضع عليها لافتة كتب عليها «مقر الخلافة الإسلامية»، مشيرًا إلى أن السلطات البريطانية حينها تعاملت مع الأمر باعتباره نوعًا من حرية التعبير، رغم أن هذا الشخص كانت صادرة بحقه أحكام تتعلق بالتحريض واستخدام العنف في مصر.
وأضاف أن هذا المناخ، من وجهة نظره، ساهم لاحقًا في ظهور تنظيمات إرهابية أكثر تطرفًا، بعدما تحولت بعض الأفكار التي بدأت في دوائر مغلقة إلى تنظيمات مسلحة، أبرزها داعش، سيطرت على مدن ومناطق واسعة في الشرق الأوسط خلال السنوات الماضية.
وأوضح أديب أن التسامح الغربي أو التوظيف السياسي لبعض هذه التنظيمات أسهم في إنتاج أزمات أمنية وإرهابية لاحقًا، معتبرًا أن روسيا بدأت الآن تدرك خطورة هذا المسار، وتتجه نحو التعامل بجدية أكبر مع ما وصفه بـ«التسلل الناعم للإخوان» داخل مؤسساتها ومجتمعها.
وأشار كذلك إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية شهدت، من وجهة نظره، محاولات لتوظيف الشعارات الدينية من مختلف الأطراف، سواء عبر استقطاب مقاتلين مسلمين أو استخدام الخطاب الديني في الصراع، مؤكدًا أن التنظيمات المرتبطة بالإسلام السياسي غالبًا ما تستفيد من مثل هذه الأزمات لتوسيع حضورها ونفوذها.
إدراك عالمي للخطر
وفي سياق متصل، قال الخبير في شؤون الإسلام السياسي علي الزرمديني، في حديث خاص لـ«العين الإخبارية»، إن العالم يشهد تحولًا واضحًا في طريقة التعامل مع جماعة الإخوان، بعدما أدركت الأجهزة الاستخباراتية التي تعاملت معها طبيعة عقيدتها وأهدافها، مشيرًا إلى أن هناك فهمًا جديدًا يتشكل عالميًا تجاه هذه الجماعة بعد سنوات من الحذر في التعامل معها.
وأوضح الزرمديني أن هذا التحول جاء نتيجة ما وصفه بـ«التغول» الذي حققته الجماعة على المستويين المالي والأيديولوجي، معتبرًا أن الدول باتت أكثر وعيًا بخطورة المشروع الذي تتبناه جماعة الإخوان، وهو ما انعكس على فلسفة التعامل معها في العديد من الدول.
وأضاف أن روسيا تعاملت مع هذا الملف بحذر شديد، خصوصًا في ظل حساسية الملف الشيشاني والتفاعل المتقلب بين بعض العناصر الشيشانية والسلطات الروسية، موضحًا أن موسكو كانت تحافظ على «مسافة حذرة» إلى أن بدأت تتكشف لها حقيقة هذا الواقع، وهو ما دفعها إلى توقيف بعض القيادات المرتبطة بهذا الملف.
وأشار إلى أن جماعة الإخوان تقوم، بحسب وصفه، على فرض عقيدتها وأيديولوجيتها، وتعتمد استراتيجية تقوم على «التمدد والخطاب المزدوج والتغلغل الكامل داخل الكيان المجتمعي» إلى حين تتهيأ الظروف المناسبة لتحقيق أهدافها.
وأكد أن روسيا استفادت كذلك من تواصلها مع دولة الإمارات ومصر وأطراف أخرى لديها خبرة في التعامل مع جماعة الإخوان، ما ساعد موسكو على فهم طبيعة المنظومة التي تتحرك بها الجماعة وآليات عملها داخل المجتمعات والمؤسسات.
وقال الزرمديني إن العلاقة بين روسيا وجماعة الإخوان لم تكن علاقة ثابتة، بل قامت في كثير من الأحيان على تبادل المصالح، موضحًا أن موسكو تعاملت مع الجماعة من منطلقات مصلحية تتعلق بإدارة التوازنات داخل الكيان الروسي، فيما تعاملت الجماعة مع القيادة الروسية وفق سياسة «التمكين» التي تعتمدها في مختلف الدول.
وأضاف أن بعض التصرفات التي صدرت عن الجماعة ساعدت الأجهزة الاستخباراتية الروسية، التي كانت تتعامل بحذر شديد مع هذا الملف، على الوصول إلى ما وصفه بـ«إثبات طبيعة المنهجية الإخوانية» في التعامل مع الأحداث، مؤكدًا أن هذه المنهجية لا تختلف من دولة إلى أخرى.
وأشار إلى أن الكرملين كان يسعى في مراحل سابقة إلى التهدئة بسبب تعقيدات الملف الشيشاني وتشابك المصالح، لكن التطورات الأخيرة دفعت موسكو إلى التعامل مع الملف بحذر واحتياط أكبر.