تفاصيل جديدة تكشفت حول استهداف محيط محطة براكة للطاقة النووية في الإمارات، حملت دلالات مهمة، وجددت ما أعقب الهجوم من رسائل وتحذيرات.
التفاصيل الجديدة، كشفتها وزارة الدفاع الإماراتية في بيان، الثلاثاء، حددت فيه مصدر انطلاق الطائرات المسيرة الثلاثة التي هاجمت الإمارات، الأحد، ونجحت في التعامل مع اثنتين منها، فيما أصابت الثالثة مولدا كهربائيا خارج المحيط الداخلي لمحطة براكة للطاقة النووية في منطقة الظفرة بأبوظبي.
وقالت وزارة الدفاع في بيانها إنه "في إطار استكمال التحقيقات المتعلقة بالاعتداء السافر على محطة براكة للطاقة النووية يوم 17 مايو/أيار الجاري، أكدت نتائج التتبع والرصد التقني أن الطائرات المسيرة الثلاث (..) كانت جميعها قادمة من الأراضي العراقية".
وأكدت وزارة الدفاع أن" دولة الإمارات العربية المتحدة تحتفظ بحقها الكامل في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية سيادتها وأمنها الوطني، وفقًا للقوانين والمواثيق الدولية".
3 دلالات
بيان يحمل عدة دلالات مهمة، من أبرزها:
- سرعة إعلان وزارة الدفاع الإماراتية مصدر تلك الهجمات التي استهدفت البلاد من حدودها الغربية، يكشف عما تمتلكه من قدرات وتقنيات وإمكانيات والقدرة على إدارتها بكفاءة.
- حكمة وصواب وبعد نظر الدبلوماسية الإماراتية، التي استطاعت تحديد المصدر الأصلي للهجوم، بغض النظر عن موقع انطلاقه، في محاولة تضليل وخلط أوراق، حيث قال الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، في تغريدة له عقب الهجوم: "الاستهداف الإرهابي لمحطة براكة للطاقة النووية النظيفة، سواء جاء من الموكّل الأصيل أو عبر أحد وكلائه، يمثل تصعيدًا خطيرًا ومشهدًا مظلمًا يخرق القوانين والأعراف الدولية كافة، في استهتار إجرامي بأرواح المدنيين في الإمارات ومحيطها".
وأضاف: "يأتي هذا التصعيد المحظور ليؤكد مجددًا طبيعة التحديات التي تواجهها المنطقة في مواجهة قوى الشر والفوضى والتخريب. لن يلوي إحدى ذراعي الإمارات، ولن ينجح في تقويض رؤيتها ونجاحها ورسالتها الملهمة لشعوب المنطقة في الأمن والاستقرار والتنمية والازدهار".
- مقدار ما تتمتع به القوات المسلحة الإماراتية من كفاءة واحترافية عالية، حيث تمكنت بحسب بيان وزارة الدفاع نفسه خلال الـ48 ساعة الماضية من "رصد والتعامل بنجاح مع 6 طائرات مسيرة معادية (قادمة أيضا من الأراضي العراقية) حاولت استهداف مناطق مدنية وحيوية في الدولة" ، دون تسجيل أي خسائر بشرية أو تأثير على سلامة المنشآت الحيوية.
ناقوس خطر
التفاصيل الجديدة أكدت مجددا أن مصدر الهجوم واحد (إيران) بغض النظر عن موقع انطلاقه (العراق عبر الوكلاء)، وأن هذا المصدر يؤكد باستهدافه منشأة نووية سلمية، استهتاره بأرواح البشر وانتهاكه الصارخ لكل المبادئ والأعراف والقوانين الدولية، حيث يُعد استهداف محطات الطاقة النووية السلمية تهديداً مباشراً للأمن والسلم الدوليين، ويهدد بمخاطر كارثية على البشر والبيئة تتجاوز حدود الدول المستهدفة.
ورغم أن الهجوم لم يؤثر على سلامة محطة براكة للطاقة النووية أو جاهزية أنظمتها الأساسية كما لم يحدث أي تسرب للمواد المشعة، فإنه يدق ناقوس خطر أمام المجتمع الدولي كله، حول تلك السابقة الخطيرة التي تتجاوز حدود أي خلاف ثنائي أو إقليمي.
مخاطر صمت المجتمع الدولي
ناقوس خطر يحمل تحذيرات بشأن صمت المجتمع الدولي ومجلس الأمن على مثل تلك الجريمة، وعدم اتخاذ مواقف حازمة تتناسب مع خطورتها، وهو ما سيؤدي إلى مخاطر شتى أبرزها:
- تطبيع دولي لاستهداف المنشآت النووية السلمية أو محيطها، مما يجعل هذه المنشآت رهينة لصراعات إقليمية متغيرة.
- تهديد المجتمع الدولي بأسره عبر احتمالية تكرار تلك الهجمات الخطيرة من قبل أطراف أخرى، ستتجرأ لممارسة الفعل ذاته في مناطق مختلفة من العالم، وهو ما يعني كوارث بيئية وإشعاعية خطيرة محتملة.
- الإضرار بنظام عدم الانتشار وبثقة الدول في حقها بالاستخدام السلمي للطاقة النووية
- تقويض الحوافز الدولية للاستثمار في الطاقة النووية السلمية.
مبادئ دولية.. تنويهات واجبة
لذا وجب على المجتمع الدولي سرعة التحرك، بمختلف السبل، عبر آليات تتجاوز حدود الإدانة الدبلوماسية، إلى أساليب عقاب وردع، وتحذير من مخاطر تلك الأفعال والجرائم:
وفي هذا الصدد ثمة مبادئ متفق عليها دوليا، يجب إعادة التنويه عنها وتثبيتها، والترويج لها في مختلف المناسبات والمحافل، وهي :
- وجوب بقاء المنشآت النووية المدنية خارج أي صراع مباشراً كان أو غير مباشر.
- عدم استهداف مناطق قريبة من منشأة نووية لأي سبب كان.
- الرفض المطلق لإقحام المنشآت النووية السلمية، أو محيطها، في الصراعات السياسية والعسكرية.
مبادئ تؤكد إجمالا وجوب عزل المنشآت السلمية للطاقة النووية عن معادلات التوتر والتصعيد والردع، والرفض المطلق لاستخدامها كأداة ضغط سياسي أو عسكري أو حتى التلويح باستهافها على سبيل التهديد .
فضح المعتدي.. أساليب المليشيات
أيضا فإن استهدف محطة براكة للطاقة النووية، فضح مجددا المعتدي على تلك المحطة النووية المدنية السلمية، عبر عدد من الأمور الكاشفة أبرزها:
- استهداف منشأة نووية مدنية في محاولة منه إلى جرها إلى ساحة الصراع لا يبعث برسالة قوة، بل برسالة "إرهاب وبلطجة وتهور"، يكشف عبرها عن استعداده لتعريض السلم الإقليمي والدولي للخطر من أجل مكاسب متوهمة.
- استهداف المفاعلات النووية أو محيطها لا يتعلق بحجم الضرر أو بموقع الاستهداف فقط، بل بطبيعة الرسالة السياسية التي تؤكد أن بعض الجهات والدول بدأت تخرج عن الأعراف والمواثيق الدولية كافّة، وتتعامل بمنطق المليشيات والمنظمات الإرهابية.
استهداف التجربة الملهمة
تعد دولة الإمارات بإنجازها في تلك المحطة نموذجا ملهما لدول المنطقة لتكرار التجربة نفسها، فمحطة براكة تعد أول مفاعل سلمي للطاقة النووية في العالم العربي، وهي تجربة رائدة وملهمة بمعنى الكلمة لسائر الدول العربية، وان استهداف المحطة بمعزل عن مخاطرها البئيية والأمنية، فإنه استهداف لرمز نجاح وتميز وتجربة ملهمة في الإمارات، تكشف عن أحقاد دفينة وعقدة شكلها النجاح الإماراتي للمعتدي.
وتوفر محطات براكة للطاقة النووية 25% من احتياجات دولة الإمارات من الكهرباء من دون انبعاثات كربونية، لتواصل مساهمتها المحورية في توفير كهرباء الحمل الأساسي النظيفة، وضمان أمن الطاقة واستدامتها.
وتواصل المحطات قيادة جهود خفض البصمة الكربونية كونها أكبر مصدر للطاقة النظيفة في المنطقة وإلى جانب توفير ما يكفي من الكهرباء النظيفة لأكثر من 574 ألف منزل في دولة الإمارات، تقوم محطات براكة بدور ريادي في مسيرة انتقال الدولة لمصادر الطاقة النظيفة، من خلال الحد من 22.4 مليون طن من الانبعاثات الكربونية سنوياً.
ومن خلال تلك المحطة وجهت الإمارات رسالة للعالم أجمع مفادها بأن الاستثمار في الطاقة النووية السلمية أفضل من الاستثمار في الطاقة النووية لأغراض غير سلمية وأن على الدول العمل من أجل ازدهار شعبها بدلا من استخدام الطاقة النووية كوسيلة لتهديد محيطها، لذلك تحاول إيران استهداف تلك التجربة الملهمة التي توظفها الإمارات لخدمة التنمية وحماية البيئة وصون المستقبل.
رسائل إماراتية
عقب الهجوم، أكدت دولة الإمارات في بيان أصدرته وزارة الخارجية، حمل عددا من الرسائل، أبرزها:
- الإمارات لن تتهاون في حماية أمنها وسيادتها تحت أي ظرف.
- الإمارات تحتفظ بكامل حقوقها السيادية والقانونية والدبلوماسية والعسكرية في مواجهة أي تهديد أو ادعاء أو عمل عدائي، بما يكفل حماية سيادتها وأمنها الوطني وسلامة أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها وزوارها، وفقا للقانون الدولي.
- استهداف المواقع الحيوية والمدنية أمر مدان ومرفوض بكل المقاييس القانونية والإنسانية.
- ضرورة وقف هذه الاعتداءات الغادرة فورًا بما يضمن الالتزام الكامل بوقف جميع الأعمال العدائية.
دبلوماسية الحكمة
رسائل تؤكد من خلالها الإمارات أنها لن تساوم على سيادتها وثوابتها، وحقوقها المشروعة، ومكتسباتها التنموية، تنطلق من دولة تملك قوة الحق ودبلوماسية الحكمة، التي تتكشف حقائقها يوما تلو الآخر، لتفند أكاذيب إيران.
دولة ليست طرفاً في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وموقفها واضح تماماً منذ اليوم الأول للحرب، وحتى قبيل اندلاع الحرب، وتؤمن بأن محاولة إيران الزج بالدول الخليجية في هذه الحرب محاولة بائسة لدفع المنطقة نحو المزيد من التوتر والتصعيد.
ورغم ما تعرضت له الإمارات من اعتداءات إيرانية، فإنها تدعم الحلول الدبلوماسية والسلمية لحل تلك الأزمة، واحتفاظها بحق الرد، وهو ما يتأكد يوما تلو الآخر، وأمس أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن هجوماً كان مقرراً على إيران الثلاثاء، تم تأجيله بناءً على طلب رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان.
وقبيل أيام، أكد الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات في تغريدة له يوم 13 مايو/أيار الجاري على "أهمية الحل السياسي والمسار التفاوضي" لحل تلك الأزمة.
وقال في هذا الصدد :"لم نسعَ إلى هذه الحرب، وعملنا مخلصين على تجنبها، ولا يمكن أن تُبنى العلاقات العربية الإيرانية في الخليج على المواجهات والصراعات، في منطقة تجمع شعوبها روابط جغرافية وتاريخية متجذرة. الدفاع عن الوطن واجب مقدس، وستحمي الإمارات سيادتها بقوة وكفاءة وثبات، لكن أولويتها وقناعتها الراسخة ستبقيان في تغليب الحلول السياسية، إيمانًا بأنها السبيل لتحقيق السلام والاستقرار والازدهار.".
ولطالما دعمت الإمارات خيار التفاوض بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية حتى قبيل اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط الماضي.
وعند التلويح بخيار التصعيد، أكدت وزارة الخارجية في بيان واضح أصدرته 26 يناير/كانون الثاني الماضي أن دولة الإمارات تلتزم بعدم السماح باستخدام أجوائها أو أراضيها أو مياهها في أي أعمال عسكرية عدائية ضد إيران، وعدم تقديم أي دعم لوجستي في هذا الشأن.
وجددت التأكيد على إيمان دولة الإمارات بأن تعزيز الحوار، وخفض التصعيد، والالتزام بالقوانين الدولية، واحترام سيادة الدول، تمثل الأسس المثلى لمعالجة الأزمات الراهنة، مشددة على نهج دولة الإمارات القائم على ضرورة حل الخلافات عبر الوسائل الدبلوماسية.
رسائل ومواقف إماراتية قبيل الهجوم، تثبت من خلالها الإمارات عملها الدؤوب لتفادي وقوع أي حرب في المنطقة، حرصا على أمنها واستقرارها، ورفضها استخدام أجوائها أو أراضيها أو مياهها في أي أعمال عسكرية عدائية ضد إيران، حال وقوع حرب.
رسائل ومواقف كان يجب أن تأخذها إيران بعين الاعتبار، قبل شن أي هجمات تستهدف دولة الإمارات التي كانت لطالما صوت السلام في المنطقة والعالم.
إلا أن ما قامت به إيران يؤكد أن "العدوان الإيراني على دول الخليج أخطأ العنوان"، كما أكد الدكتور أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات في تغريدة سابقة له عبر حسابه في موقع "إكس".
كما أن استهداف محطة براكة للطاقة النووية، يؤكد أنها ضلت الطريق تماما، ومن هناك يجب أن يكون الرد الدولي على تلك الجريمة بحجم ما تحمله من مخاطر وتداعيات ليس على الإمارات والمنطقة فحسب بل على السلم والأمن الدولي بأسره.
لذا، فإن استهداف المحيط الخارجي لمحطة براكة يمثل اختبارا لمصداقية النظام الدولي في حماية الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، والمطلوب موقف مبدئي واضح يرفض إدخال المنشآت النووية السلمية في النزاعات، بصرف النظر عن هوية الفاعل أو خلفيات الصراع.
والرد الدولي على هذه الحادثة يجب ألا يكتفي بإدانة الحادث، بل يجب أن يركز على منع أي محاولات مستقبلية، عبر آليات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي.