الإرهاب يفاقم الجوع.. «بوكو حرام» و«داعش» يحوّلان بحيرة تشاد لـ«مقبرة»
تتسع دوائر الموت والجوع والخوف في غرب أفريقيا، إثر الصراع الدامي بين «بوكو حرام» و«داعش» الذي تحول لحرب استنزاف مفتوحة ضحيتها المدنيون.
وفي القرى المتناثرة والجزر المنعزلة، يفرّ السكان من الخطف والقتل، فيما ينهار قطاعا الصيد والزراعة تحت سطوة الجماعات المسلحة التي حوّلت البحيرة إلى مسرح للابتزاز والتهريب والقتل، تاركة الأطفال فريسة لسوء التغذية والعائلات رهينة للنزوح القسري أو الفقد، بحسب صحيفة «التليغراف» البريطانية.
صعود وهروب
في كوخ طيني متواضع عند أطراف أحد مخيمات النازحين، يروي باهانا الحاج، العنصر السابق في «بوكو حرام»، كيف جرّه الفقر المدقع إلى أحضان الجماعة.
فعندما كان في الثانية والعشرين من عمره، عجز عن تأمين قوت يومه من صيد السمك في البحيرة، فوجد في التنظيم ملاذاً وفّر له ما كان يبحث عنه من شعور بالانتماء والمكانة، بالإضافة إلى حصص غذائية أسبوعية منتظمة، وثلاث زوجات قاصرات في إطار سياسة ممنهجة لاستعباد النساء وإجبارهن على الزواج من الإرهابيين.

وعلى مدى خمسة أعوام، ترقّى الحاج داخل صفوف التنظيم حتى صار قائداً ميدانياً، مشاركاً في ما يصفه بـ«العمليات العسكرية»، والتي كانت في حقيقتها غارات دموية على قرى آمنة.
يقول ببرود مخيف: «قتلت أناساً كثيرين»، ويكشف أن أشرس المعارك التي خاضها كانت ضد تنظيم «داعش» في غرب أفريقيا، المنشق عن «بوكو حرام» منذ عام 2015، والذي يصفه بأنه «أكثر تنظيماً ووحشية».
ومع اشتداد الصراع بين التنظيمين للسيطرة على جزر البحيرة الغنية بالثروة السمكية وممرات التهريب والتجارة، باتت المنطقة أشبه بحرب عصابات مائية تختلط فيها الغارات المباغتة بعمليات الخطف والابتزاز المنهجي.
لكن غياب أي راتب ثابت دفع بالحاج إلى الهروب عام 2023، لينضم إلى مجتمع النازحين في قرية فوركولوم برفقة اثنتين من زوجاته.
اليوم، يؤكد أنه غارق في الندم، محذراً الشباب من الانجرار وراء سراب التنظيمات المسلحة، لكنه يعتقد أن القضاء على «بوكو حرام» عسكرياً يبدو مستحيلاً: «عددهم أكبر من طاقة الجيش».
الإرهاب لا يميز
أما بالنسبة للمدنيين العالقين في مرمى النيران، فالحرب ليست مجرد صراع على النفوذ، بل مأساة يومية تعيد تشكيل تفاصيل حياتهم بوحشية.
مريم أبكر كوكوي، أم لسبعة أطفال، فرّت قبل أيام فقط من هجوم شنّه نحو أربعين مسلحاً من «بوكو حرام» على قريتها، حيث اقتحموا المنازل وخطفوا النساء والأطفال ونهبوا الممتلكات.
وتروي مريم بصوت مرتجف: «سمعت إطلاق النار، فحملت أطفالي واختبأنا داخل الحمام».
نجحت مريم في الفرار بأعجوبة من دون أن تحمل شيئاً، بينما اختُطف اثنان من جيرانها قبل أن يتمكنا لاحقاً من الإفلات.
وتعيش اليوم في كوخ صغير أقامته منظمات الإغاثة، تتسول لإطعام أطفالها، وتنام وعيناها مفتوحتان على هجوم محتمل جديد.
أما الصياد صالح يوسف عيسى، البالغ أربعين عاماً، نجا هو الآخر من موت محقق بعدما اختطفته مجموعة مسلحة من واحد وعشرين عنصرا أثناء وجوده في قرية تومون عقب يوم شاق من الصيد.

اقتيد عيسى مقيداً مع أسرى آخرين نحو الحدود النيجيرية، متنقلين مشياً وبالقوارب، وتعرضوا للضرب والتعذيب تحت حرارة تجاوزت منتصف الأربعينيات. يقول: «اعتقدت أنها النهاية».
في الليلة الثانية، لاحظ ارتخاء القيود حول معصميه، فاستل الظلام وفرّ مع أسير آخر من دون أن يلتفت وراءه. لكن الصدمة لم تفارقه، وهو يرفض اليوم العودة إلى البحيرة خشية الاختطاف مجدداً.
وفي منطقة كافيا وحدها، خطفت الجماعات المسلحة سبعة أشخاص خلال ثلاثة أسابيع، بينما ذُبح أحد الرهائن أمام الكاميرا لترهيب الأهالي.
وتشير التقديرات إلى تسجيل 319 عملية خطف منذ يناير/ كانون الثاني الماضي في هذا الجزء من تشاد، منها 63 حالة في أبريل/ نيسان وحده.
وتتراوح الفديات المطلوبة بين مئة ألف و500 ألف فرنك أفريقي (ما يعادل 130 إلى 660 جنيهاً إسترلينياً)، في بلد يعيش قرابة 87 في المئة من سكان الريف فيه بأقل من دولار واحد يومياً.

اقتصاد ينهار وجوع يفتك
ويعتمد تسعة من كل عشرة أشخاص في حوض بحيرة تشاد على صيد الأسماك والزراعة وتربية الماشية، غير أن اتساع رقعة النشاط الإرهابي أدى إلى انهيار هذه القطاعات الحيوية بالكامل.
البحيرة التي تؤوي نحو 120 نوعاً من الأسماك وتحيط بها أراضٍ زراعية خصبة، تحولت بقبضة المسلحين إلى مصدر للابتزاز المنظم والتهريب العابر للحدود.
وبحسب تقديرات معهد الدراسات الأمنية، يجني تنظيم «داعش» في غرب أفريقيا نحو 31 مليون جنيه إسترليني سنوياً من ابتزاز مجتمعات الصيادين، إضافة إلى 1.6 مليون جنيه من فرض إتاوات على تجارة الأسماك المدخنة، كما يمتلك أسطولاً خاصاً من قوارب الصيد يؤجره للسكان تحت التهديد.
هذه الفوضى الاقتصادية والأمنية دفعت المنطقة إلى حافة كارثة إنسانية، إذ يواجه 7.4 مليون شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، وفق تقديرات الأمم المتحدة.
وفي مستشفى باغا سولا، تتجسد المأساة في أجنحة سوء التغذية، حيث خُصصت ستة عشر سريراً للأطفال المصابين بسوء تغذية حاد، يُقبلون عندما يقل محيط أعلى الذراع عن عشرة سنتيمترات.

فشل عسكري
خلّف تمرد «بوكو حرام» منذ اندلاعه في شمال نيجيريا عام 2009 نحو 350 ألف قتيل وملايين المشردين. وحتى فبراير/شباط 2026، بلغ عدد النازحين داخلياً في نيجيريا وتشاد والكاميرون والنيجر قرابة 3.3 مليون شخص، وفق بيانات الأمم المتحدة.
عسكرياً، تواصل تشاد عملياتها ضد الجماعات المسلحة بعد مقتل نحو أربعين جندياً في هجوم خلال أكتوبر/ تشرين الأول 2024، وآخرين بلغ عددهم أربعة وعشرين جندياً في هجوم استهدف قاعدة بجزيرة بركة تولوروم هذا الشهر، أعقبه قصف جوي انتقامي أسفر عن مقتل عشرات الصيادين النيجيريين عن طريق الخطأ، وفق تقارير محلية.
وفي تطور لافت، عاد مستشارون عسكريون فرنسيون إلى تشاد للمرة الأولى منذ خروج القوات الفرنسية من البلاد عام 2024، فيما كثّفت الولايات المتحدة غاراتها بالطائرات المسيّرة ضد تنظيم «داعش» في غرب أفريقيا، وأعلنت مقتل نائب زعيم التنظيم أبو بلال المنوكي وعدد من مساعديه.

لكن محللين يؤكدون أن الحسم العسكري وحده لن يكون كافياً في ظل استمرار الفقر والتهميش وضعف مؤسسات الدولة، فضلاً عن الجغرافيا المستعصية حيث تمنح الأهوار والصحارى والجزر النائية الجماعات المسلحة قدرة دائمة على الاختباء وإعادة التموضع.
وبينما يتعهد الرئيس التشادي محمد ديبي بمواصلة الحرب «حتى القضاء الكامل على هذا التهديد»، يواصل المدنيون دفع الثمن الأكبر في واحدة من أكثر أزمات إفريقيا المنسية قسوة وتعقيداً.