في أعقاب حادث إطلاق النار الذي أفسد حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض السبت في واشنطن، تحولت العاصمة الأمريكية إلى ما يشبه منطقة محصّنة.
الهدف من الإجراءات الأمنية المشددة تأمين ملك بريطانيا تشارلز الثالث والملكة كاميلا خلال زيارتهما الرسمية، التي بدأت الإثنين، وتُعد اختباراً مزدوجاً للدبلوماسية والأمن في آنٍ واحد.
وبينما تسعى الزيارة إلى ترميم العلاقات عبر الأطلسي، فرضت التطورات الأمنية الأخيرة واقعاً جديداً، عنوانه: الحماية القصوى بلا هوامش، بحسب صحيفة "ذا صن".
وتحت إشراف مباشر من جهاز الخدمة السرية الأمريكية، فُرضت واحدة من أعقد المظلات الأمنية في تاريخ الزيارات الرسمية، شملت نشر قناصة على الأسطح، وتسيير طائرات مسيّرة يُعتقد أنها مرتبطة بـوكالة الاستخبارات المركزية، إلى جانب تعزيزات بشرية وتقنية غير مسبوقة.
وفي قلب هذه المنظومة، برزت سيارة "الوحش"، الليموزين الرئاسية المدرعة، التي تُقدّر قيمتها بنحو 1.2 مليون جنيه إسترليني، والمصممة لتحمّل الانفجارات والهجمات الكيميائية وإطلاق النار المباشر.
هذه المركبة، التي تُعد حصناً متحركاً، شكّلت العمود الفقري لتنقلات الضيف الملكي داخل المدينة.
ويرى خبراء أمنيون أن التحدي الأكبر لا يكمن في الاجتماعات المغلقة، بل في الفعاليات العامة.
ويقول الخبير الأمني فيليب غيدس إن هذه الأنشطة تمثل “كابوساً لوجستياً”، مشيراً إلى أن “كل شخص تقريباً في محيط الفعالية سيكون جزءاً من المنظومة الأمنية بشكل أو بآخر”.
وأضاف أن القرار النهائي في إدارة المشهد الأمني “يبقى بيد الأمريكيين، فالبريطانيون ضيوف”.
دبلوماسية تحت الضغط
ورغم هذا الطوق الأمني المشدد، مضت الزيارة الملكية وفق جدولها المقرر. فقد حظي الملك والملكة باستقبال رسمي في البيت الأبيض من قبل دونالد ترامب والسيدة الأولى ميلانيا ترامب، قبل عقد لقاءات خاصة بعيداً عن الكاميرات داخل “الغرفة الخضراء”، وهي واحدة من أشهر الغرف الرسمية الثلاث (إلى جانب الحمراء والزرقاء) الواقعة في الطابق الأول من البيت الأبيض، وتُستخدم بشكل أساسي لاستقبال الضيوف، وحفلات الشاي، والاجتماعات الصغيرة.
وشملت الأنشطة جولة في الحديقة الجنوبية بالبيت الأبيض لتفقد خلايا النحل، ثم المشاركة في حفل استقبال في مقر السفارة البريطانية حضره نحو 650 ضيفاً من كبار السياسيين والشخصيات العامة.
ومع انتقال الزيارة إلى نيويورك، حيث سيزور الملك النصب التذكاري لهجمات 11 سبتمبر 2001، ومكتبة نيويورك العامة، تتجدد التحديات الأمنية مع إعادة تصميم الإجراءات بما يتناسب مع طبيعة المدينة المفتوحة.
كما تتضمن الجولة المشاركة في احتفالات الذكرى الـ250 للاستقلال الأمريكي، في حدث جماهيري واسع يتطلب توازناً دقيقاً بين الانفتاح والتأمين.

في المقابل، تؤكد لندن أن “جميع التدابير اللازمة قد اتُخذت”، وفق ما صرّح به السفير البريطاني كريستوفر تيرنر في واشنطن، مشيراً إلى أن الخطط تبقى “مرنة وقابلة للتعديل في أي لحظة” وفقاً لتقييمات الخطر.
قلق متبادل ورسائل سياسية
تعكس هذه الإجراءات غير المسبوقة حالة من القلق المتبادل بين الجانبين، رغم محاولات طمأنة الرأي العام. ففي حين تعتبر بعض الأوساط الأمريكية أن إحباط الهجوم الأخير الذي استهدف حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض، بحضور ترامب، دليل على كفاءة المنظومة الأمنية، ترى دوائر بريطانية أن ما حدث يُظهر خللاً يتطلب الحذر، لا الاحتفاء.
وتتداخل الأبعاد الأمنية مع سياق سياسي حساس، في ظل توترات سابقة بين رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر وترامب، فضلاً عن جدل أثير حول ملفات أخرى، من بينها قضية رجل الأعمال الذي انتحر في محبسه جيفري إبستين، ومواقف أفراد من العائلة المالكة.
ومع اقتراب ذروة الزيارة، التي تشمل خطاباً مرتقباً للملك أمام الكونغرس، واستعراضاً عسكرياً يضم مئات الجنود، تبقى الأنظار مركزة على قدرة هذا “الدرع الحديدي” في ضمان مرور الزيارة بسلام.