في غضون أسبوع واحد، أدت إقالة وزير الدفاع الأوكراني إلى إطلاق عملية إعادة تشكيل واسعة للقوات المسلحة، أطاحت بالحرس القديم وأفسحت المجال أمام جيل جديد من القيادات العسكرية.
فقد أثار قرار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إقالة وزير دفاعه الذي يحظى بشعبية، ميخايلو فيدوروف، موجة احتجاجات استمرت أيامًا، سرعان ما تحولت إلى انتقادات للقائد العام للقوات المسلحة أوليكسندر سيرسكي، وكشفت عن اتساع الانقسام بشأن مستقبل المؤسسة العسكرية الأوكرانية.
وندد المحتجون بسيرسكي، وأعلنوا دعمهم الكاسح لفيدوروف، الذي أصبح يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز مهندسي إصلاح المؤسسة العسكرية خلال الحرب، مدفوعًا برغبة شريحة واسعة من الأوكرانيين في التغيير. كما طالب المتظاهرون بإعادته إلى منصبه، بعد أشهر من الخلافات المتصاعدة بينه وبين القائد العام للجيش.
وبالنسبة لزيلينسكي، تعد هذه المرة الثانية خلال عام التي يتحول فيها قرار اتخذه في زمن الحرب إلى أزمة سياسية، بعد قراره في منتصف عام 2025 تقليص صلاحيات هيئات مكافحة الفساد، والذي أثار احتجاجات مماثلة.
وكما حدث آنذاك، سارع الرئيس الأوكراني إلى احتواء التداعيات، فأقال سيرسكي وعين مكانه ميخايلو دراباتي، القائد الميداني المعروف بانضباطه، والذي اكتسب سمعته منذ السنوات الأولى للغزو الروسي لشبه جزيرة القرم عام 2014.
ويمثل تعيين دراباتي تحولًا واضحًا، سواء على مستوى الجيل أو العقيدة العسكرية، مقارنة بسيرسكي الذي تشكلت خبرته في ظل المدرسة العسكرية السوفياتية. ومع ذلك، ما زال التأييد الشعبي يتجمع حول فيدوروف، الذي عززت الاحتجاجات مكانته السياسية بصورة لافتة.
تعيين جديد يخفف المخاوف بشأن معنويات الجيش
تركز جانب كبير من غضب الشارع على سيرسكي، الذي أصبح بالنسبة لكثير من الأوكرانيين رمزًا للمشكلات المتراكمة داخل الجيش منذ بدء الغزو الروسي الشامل عام 2022.
وساعد تعيين دراباتي في تهدئة جزء من هذه المخاوف، إذ يحظى باحترام واسع بين الجنود والضباط، ويمثل جيلًا جديدًا من القادة الذين اكتسبوا مصداقيتهم في ساحات القتال، وليس من خلال الإرث العسكري السوفيتي.
وقال المحلل العسكري الأوكراني أوليكسندر موسيينكو: يحظى دراباتي بثقة كبيرة داخل المؤسسة العسكرية، وأعتقد أن تعيينه سيعزز ما يسمى بالروح المعنوية، أي يقوي الإرادة القتالية."
ووصف مسؤول دفاعي غربي الخلاف بين فيدوروف وسيرسكي بأنه أشبه بـ«الصراع بين كوكبين مختلفين»، في إشارة إلى التباين الكبير في رؤيتهما لإدارة الحرب.
فبينما تبنى فيدوروف نهجًا يعتمد على التكنولوجيا وتحليل البيانات، تمسك سيرسكي بعقيدة عسكرية تقليدية تركز على القوات البرية. ويرى محللون أن دراباتي قد يشكل حلقة وصل بين المدرستين، إذ يحظى بثقة القادة الميدانيين، وفي الوقت نفسه يتبنى كثيرًا من الإصلاحات التي دعا إليها فيدوروف.
زيلينسكي يتراجع للمرة الثانية
يرى عدد من النواب والمحللين أن ما حدث يؤكد استمرار فاعلية الديمقراطية وآليات المساءلة في أوكرانيا، رغم الأحكام العرفية وتعليق الانتخابات، معتبرين أن زيلينسكي اضطر للاستجابة للضغط الشعبي.
في المقابل، حذر آخرون من أن السماح للرأي العام بالتأثير في تعيينات أعلى المناصب العسكرية قد يشكل سابقة خطيرة، ويضعف استقلالية مؤسسات الدولة.
ليس الأول
وجاءت هذه الأزمة بعد أسابيع فقط من تحقيق فساد طال عدداً من أقرب مساعدي زيلينسكي، بينهم مدير مكتبه السابق أندريه يرماك، الذي أُقيل تحت ضغط الرأي العام.
ليست هذه المرة الأولى التي يُجري فيها زيلينسكي تعديلات على فريقه الدفاعي. فمنذ بداية العملية العسكرية الروسية، طرأ تغيير واحد على رأس القيادة العسكرية: حيث عُيّن سيرسكي في فبراير/شباط 2024، ليحل محل فاليري زالوزني، الذي كان يتمتع بشعبية واسعة، والذي تولى المسؤولية منذ يوليو/تموز 2021.
أما على الصعيد المدني، فقد كانت الأمور أكثر اضطراباً. فقد أُقيل أوليكسي ريزنيكوف، الذي كان وزيراً للدفاع منذ عام 2021، في عام 2023 في أعقاب سلسلة من فضائح الفساد البارزة.
وقد حل محله رستم أوميروف الذي تم نقله، بعد عامين في منصبه، إلى منصب سكرتير مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني، كجزء من تعديل وزاري شامل.
واستمر دينيس شميهال، رئيس الوزراء السابق الذي خلف أوميروف، في منصبه لمدة ستة أشهر تقريبًا قبل إجراء تعديل وزاري آخر مرتبط بالتداعيات الطويلة لفضائح الفساد التي وقعت في صيف عام 2025. تم نقل شميهال إلى وزارة الطاقة وحل محله فيدوروف .
وما يميز إقالة فيدوروف هو أنها المرة الأولى التي يُجرى فيها تعديل وزاري بسبب خلافات داخلية ضمن فريق زيلينسكي الأساسي. كما أنها المرة الأولى التي يضطر فيها إلى استبدال كبار القادة المدنيين والعسكريين في آن واحد، وإن كان ذلك على مضض وتحت ضغط شعبي.
وفي سبتمبر/أيلول 2023، أقال زيلينسكي وزير الدفاع أوليكسي ريزنيكوف، وعين رستم عمروف خلفًا له، مبررًا القرار بأن الوزارة "تحتاج إلى مقاربات جديدة" وسط سلسلة فضائح تتعلق بصفقات المشتريات العسكرية.
وفي يناير/كانون الثاني الماضي، نقل زيلينسكي رئيس الاستخبارات العسكرية، الجنرال كيريلو بودانوف، إلى مكتبه رئيسًا للديوان، وهي خطوة رأى محللون أنها هدفت، جزئيًا، إلى إبقائه قريبًا من الرئاسة وتقليص فرص تحوله إلى منافس سياسي مستقبلي.