ثقافة

غسان كنفاني.. رائد الرواية الفلسطينية

غسان كنفاني في ذكرى مولده الثمانين

الأحد 2016.4.10 09:51 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 792قراءة
  • 0 تعليق
غسان كنفاني.. كاتبا وروائيا وصحفيا ومناضلا سياسيا

غسان كنفاني.. كاتبا وروائيا وصحفيا ومناضلا سياسيا

ثمانون عاما مرت على مولد الكاتب والأديب والمناضل الفلسطيني غسان كنفاني (1936-1972) الذي جمع بين النضال السياسي والنضال بالقلم، حمل السلاح مجازا وعلى الحقيقة، وقال قولته الشهيرة "أحمل كل ما يمكنني من الدفاع عن نفسي في مواجهة الشر والعدوان". اغتيل كنفاني عن ستة وثلاثين عاما، لكن أثره الإبداعي كان قويا وممتدا، فلا يذكر الأدب الفلسطيني إلا ويذكر اسمه باعتباره الرائد والمؤسس وصاحب تيار بارز "كتابة المقاومة" التي توسلت بكل الأنواع الأدبية (الرواية والقصة والمسرحية والمقال النقدي والدراسة التاريخية.. إلخ) لتجسيد وتمثيل جماليات الاقتلاع من الأرض، ومقاومة الاحتلال، واستدعاء جوهر الهوية الفلسطينية في مواجهة المنفى والاغتراب والتهميش.

وإذا كان من قبيل المصادفة التي لا يختارها الإنسان أن يولد بمكان بالذات وفي تاريخ بعينه، فإن هذه المصادفة في غالب الأحيان تساهم في تشكيل وعيه وخطواته في المستقبل. يتضح هذا بارزا في سيرة غسان كنفاني الذي ولد بمدينة عكا بفلسطين سنة 1936، لأسرة متوسطة، وألحقه أبوه بمدرسة الفرير التي أتقن فيها الفرنسية، كان الأب يعمل محاميا في عكا ويافا، ونزحت الأسرة من مسقط رأسها عام 1948 إلى صيدا في لبنان ومنها إلى سوريا حيث استقرت.

كان ترك فلسطين معناه انتقال أسرته من طبقة اجتماعية إلى طبقة أخرى. بعد النزوح وتوقف الأب عن العمل، أصبح غسان وإخوته في تلك الفترة، على حد قوله "من البروليتاريا الرثة".. بدؤوا يقومون بأشغال مختلفة هنا وهناك لكي يعولوا الأسرة ويكملوا تعليمهم. كان غسان كنفاني في السابعة عشرة من عمره تقريبا حين كان يعمل مدرسا بإحدى مدارس وكالة الغوث في مخيم فلسطيني ليساهم في إعالة أسرته ولإكمال دراسته.

وكان من الطبيعي أن يتجه غسان كما يتجه غالبية الفلسطينيين إلى الاهتمام بالسياسة، يقول: "اتجهت نحو السياسة في مرحلة مبكرة لأننا كنا نعيش في المخيم". والسياسة هناك ليست مجرد عناوين تقرأ في الجريدة الصباحية بل أحداث تتحكم في أن يكون الفلسطيني في داره بعكا اليوم وفي لبنان أو سوريا في اليوم التالي. وفي المنفى أيضا تعلم غسان العلاقة الوثيقة بين القضية الوطنية والقضية الطبقية.

وفي بداية الخمسينيات التقى غسان الدكتور جورج حبش، ثم انضم في فترة تالية لحركة القوميين العرب التي كانت في ذلك الوقت حركة مناهضة للاستعمار وإن لم تكن قد تبنت مضمونا طبقيا بعد. وفي عام 1956 نشر قصته الأولى في جريدة الرأي الناطقة باسم الحركة، قصة «شمس جديدة» التي تدور حوادثها حول طفل صغير من غزة. وفي العام نفسه، يسافر غسان إلى الكويت لكي يعمل مدرسًا للرسم والألعاب الرياضية، وهناك عرف المنفى في شكل جديد: وحشة الغريب، واغتراب المحاصر، وعطش المرء النفسي في صحراء لا يجد فيها حتى من يتواصل معه ويسر له بحاجته. ويكون الماضي هو ملاذ الغريب الذي يدفع به الوحشة عن روحه. ولكن الماضي يأتي بحصار آخر من الندم والمرارة على فقد فلسطين، والموت، والفرار الذي واجهه أهلها.

وتنعكس هذه الهموم في كتابة غسان خلال تلك السنوات، فتعبر قصصه عن هذا الحصار بين اغتراب اللحظة ومرارة الماضي الذي يشكل حضورا ملحا. وتكشف هذه القصص التي كتبها غسان في الكويت عن عالم ثري من التجربة الحياتية، وعن محاولات دؤوبة لشاب يطمح في تملك أدواته الفنية فيتعثر أحيانا وينجح في أحيان أخرى.

وفي عام 1960 عاد غسان كنفاني من الكويت إلى بيروت ليعمل بالصحافة التي ظل فيها حتى اغتياله. عمل محررا في جريدة «الحرية» الناطقة باسم حركة القوميين العرب (1960 - 1963)، ثم في «المحرر» وهي جريدة ناصرية (1963 - 1976)، ورأس ملحق «فلسطين» وهو ملحق أسبوعي كان يصدر عن «المحرر». ثم عمل في «الأنوار» (1967 - 1969). وفي 26 يوليو 1969 ظهر العدد الأول من مجلة «الهدف» الأسبوعية الناطقة باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وتولى غسان رئاسة تحريرها.

كما كان غسان عضوا بارزا في الجبهة الشعبية منذ ظهورها بكونها منظمة مستقلة متفرعة عن حركة القوميين العرب، تتبنى المنهج الماركسي اللينيني، وساهم في كتابة وصياغة برامجها وبياناتها، وعمل حلقة وصل بينها وبين المنظمات الثورية في العالم. وكان الناطق الرسمي باسمها حتى يوم اغتياله في 8 يوليو عام 1972.

 

طوال تلك الفترة التي كان غسان فيها نشطا وفعالا في نضاله السياسي وفي عمله محررا صحفيا، كان أيضا متدفقا في عطائه ككاتب مبدع وكإنسان؛ فكان يحرر أخبارا ويكتب مقالات سياسية واجتماعية، ويؤلف القصص القصيرة والروايات والمسرحيات ويقوم بدراسات في التاريخ والأدب ويرسم. ويتزوج غسان من مدرسة دانماركية توافقه ميوله الاشتراكية "آني هوفر"، وينجب منها فايز، وليلى.

تنمو صداقات غسان وتتشعب، وتترسخ علاقاته كزوج وأب وخال وعم وصديق وكاتب ومناضل.. ويستمر في استيعابه لواقعه الفلسطيني العربي: انطلاقة الكفاح المسلح، نكسة عام 1967، وتصاعد المقاومة، مجازر أيلول، السلاح في المخيمات، يستوعبها جميعا ويتمثلها.. يكتب ويكتب.

في السادسة والثلاثين من عمره، تم اغتيال غسان كنفاني، بلغم انفجر فيه، على يد المخابرات الإسرائيلية، وكان قد ترك أربع روايات: «رجال في الشمس»، و«ما تبقى لكم»، و«أم السعد»، و«عائد إلى حيفا»، وترك أربع مجموعات قصصية، ومسرحية واحدة هي «الباب»، فضلا عن أربع كتب أخرى تشكل دراسات نقدية وتاريخية عن أدب المقاومة «أدب المقاومة في فلسطين المحتلة»، و«في الأدب الصهيوني»، و«المقاومة الفلسطينية ومعضلاتها»، والثورة العربية في 1936، نشرت جميعا أثناء حياته، كل ذلك بالإضافة إلى ثلاث روايات لم تكتمل وعدد من المسرحيات ومجموعة ضخمة من المقالات الصحفية والمحاضرات التي لم تنشر، بحسب ما أوردت رضوى عاشور في دراستها عنه.

تكشف أعمال غسان كنفاني السردية عن منظور المقتلع من أرضه، المنفي عبر الدروب، لكنه يرفض الاستسلام أو التسليم بهزيمته، ومن ثم فإن نصوصه تقدم تمثيلا أدبيا لسردية الاقتلاع والمقاومة. وهو ما يتجلى أيضا في أعماله النقدية التي رصدت الأدب الصهيوني وأدب المقاومة الفلسطينية.

لعل أبرز ما لفت دارسي كنفاني ونقاده هو تداخل نصوصه مع شخصية كاتبها، الذي حقق بدوره تطابقا لافتا بين الكاتب والمناضل، وبين النص والحياة. من أشهر هذه الكتب التي خصصها أصحابها لدراسة غسان كنفاني ونصوصه دراسة الناقدة الراحلة رضوى عاشور «الطريق إلى الخيمة الأخرى: دراسة في أعمال غسان كنفاني».

يرى بعض النقاد هيمنة موضوع النفي والمنفى وما يرتبط بهما من عناصر جوهرية، كاستدعاء ذكريات الطفولة، وسطوة الآباء في الحياة العربية، وخبرة الحياة اليومية والمدرسية.. إلخ ويرى نقاد كثيرون أن رواية كنفاني القصيرة رجال في الشمس (1963) هي أول رواية فلسطينية بالمعنى الفني الحقيقي.

تعليقات