سياسة

الجريمة واحدة ... والقاتل واحد

الأحد 2016.6.19 10:09 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 80قراءة
  • 0 تعليق
إلياس حرفوش

لا يختلف اغتيال النائب البريطانية جو كوكس، على يد رجل كان يصرخ عند إقدامه على قتلها: «بريطانيا أولاً» عن قتل رواد الملهى في اورلاندو بولاية فلوريدا أو الشرطيين الفرنسيين قرب باريس، او قتل اولئك الشبان الذين كانوا يحضرون حفلاً موسيقياً في مسرح باتاكلان في العاصمة الفرنسية، وقبل ذلك الصحافيين الذين قضوا ايضاً ضحية عمل أرهابي في مجلة «شارلي ايبدو» ... الى آخر الجرائم المماثلة.

المجرم واحد، رغم اختلاف لون البشرة والفارق في الانتماء الديني وتنوع الأمكنة التي تتكرر فيها هذه الجرائم. وظيفة هذا المجرم المتعدد الصفات والهويات هي القضاء على الصوت والرأي والموقف المخالف. ولأنه لا يستطيع أن يفعل ذلك بقوة الصوت والعقل والإقناع، مثلما يُفترض ان يفعل من ينتمون الى الجنس البشري، فإنه يلجأ الى السكين او المسدس او السلاح الرشاش.

يجب أن نعترف بأننا نعيش في عالم بات محكوماً بلغة الجريمة والعنف. لغة باتت تنتشر مثل الهواء. وحيث لم يكن لها مجال أو فسحة للانتشار في الفضاء الواسع، من خلال وسائل الإعلام التقليدية، أصبحت لها هذه الفسحة متوافرة اليوم من خلال مختلف مواقع التواصل المجانية، التي ينتشر فيها كل شيء، من الغثّ الى السمين، وأكثره غثّ طبعاً، من غير رقيب ولا حسيب. صار المجرمون على هذه المواقع يتباهون بتصوير جرائمهم وصور ضحاياهم في اللحظات الأخيرة من حياتهم، وهم يتوسلون عطف ورحمة القاتل.

جو كوكس قُتلت وسط حملة انتخابية تسبق الاستفتاء الذي سيجري يوم الخميس المقبل، والذي سيقرر مستقبل بريطانيا في الاتحاد الاوروبي. وقد ارتفع سقف الحملة بين مؤيدي البقاء في الاتحاد والمعارضين الى حدود أخذت تأخذ شكلاً عنصرياً. ولم يكن مفاجئاً العثور في منزل القاتل على منشورات وكتيبات لها صلة بالنازية وبأفكار قادة نظام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا. مثلما لم يكن مستغرباً كذلك أن تكون هذه النائب نفسها هي الضحية، وهي من أشد الأصوات في حزب العمال حماسةً للدفاع عن اللاجئين الى بريطانيا من بلدان الشرق الأوسط والحاجة الى حمايتهم، كما أنها من أكثر المتحمسين لبقاء بريطانيا في الاتحاد الاوروبي، وكلها عوامل جعلتها هدفاً لكل حاقد موتور أو عنصري متعصب.

لا لون ولا دين للحقد وللعنصرية. ومثلما تسقط نائب بريطانية ضحية قناعتها بالحاجة الى مجتمع متعدد، متسامح، مستعد لقبول الآخر واحترامه، رغم ثقافته المختلفة ودينه المختلف ولون بشرته المختلف، هكذا يسقط ضحايا آخرون على يد من يعلنون انتماءهم الى تنظيمات ارهابية مثل «داعش» او «القاعدة» أو ما شابههما، لسبب واحد، هو أن هؤلاء الضحايا هم اتباع ثقافة مختلفة ودين مختلف، بل قد يكونون في معظم الأحيان من اتباع الدين نفسه، لكن لهم رأياً مختلفاً عن رأي السفاح القاتل.

قد يكون المجرم الذي أقدم على قتل النائب البريطانية ينتمي الى تنظيم يميني متطرف أو لا يكون، لكن جريمته تلتقي في أهدافها الأخيرة مع الطروحات العنصرية التي يسوّقها قادة أحزاب اليمين الأوروبي، سواء من اتباع حزب «استقلال المملكة المتحدة» البريطاني، او «الجبهة الوطنية» الفرنسي او «الحرية» النمسوي ... أحزاب باتت ترى في الاتحاد الأوروبي خصماً لطروحاتها الأحادية والمغلقة ضد كل انفتاح وتنوع. من هنا كانت حملات هذه الأحزاب الداعية الى اقفال الحدود وطرد المهاجرين وتخويف المواطنين من المد البشري القادم للاستيلاء على وظائفهم وأموالهم، وبالتالي على بلادهم. ولأنها حملات تستنفر الغرائز ولا تخاطب العقل، فإنها الأكثر شعبية والأقدر على الانتشار.

في وجه هذه اللغة العنصرية تصرفت بريطانيا، كما تفعل أمام أزمات كهذه، بحكمة وتعقل. التقى قادة مختلف الأحزاب على إدانة هذا الخطاب العنصري الذي بدا خجولاً ومنعزلاً، حتى أن قادة الأحزاب الداعية الى التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي التزمت الصمت أمام جريمة قتل جو كوكس. يبقى السؤال اذاً هذا التعقل كافياً لمواجهة اللغة العنصرية التي تسيطر على معظم الخطاب السياسي البريطاني والاوروبي.

 

نقلاً عن "الحياة"

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات