عودة «6+6» تشعل الجدل في ليبيا.. تزاحم المبادرات يعيد خلط مسارات الحل (خاص)
عودة لجنة «6+6» إلى واجهة المشهد السياسي الليبي، بالتزامن مع حراك دولي ومحلي، أعادت فتح باب التساؤلات حول مستقبل العملية السياسية وإمكانية الوصول إلى الانتخابات بعد سنوات من التعثر والانقسام.
وعادت لجنة «6+6» إلى الانعقاد الأسبوع الماضي، في توقيت بالغ الحساسية يتزامن مع قرب إعلان مخرجات الحوار المهيكل الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، إلى جانب استمرار التحركات الأمريكية الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين القوى الفاعلة في البلاد.
وتتكون اللجنة من 12 عضواً بواقع ستة أعضاء من مجلس النواب وستة أعضاء من المجلس الأعلى للدولة. وقد أُنشئت في مارس/آذار 2023 بهدف إعداد القوانين المنظمة للانتخابات الرئاسية والبرلمانية باعتبارها إحدى أبرز الآليات التي راهنت عليها الأطراف المحلية والدولية لإنهاء المراحل الانتقالية الممتدة منذ أكثر من عقد.
تلك العودة أثارت انقساماً جديداً بين من يرى في الخطوة فرصة لإحياء المسار الانتخابي، وفريق آخر يعتبرها محاولة لاستعادة النفوذ السياسي في مواجهة المسارات الدولية والأممية التي اكتسبت زخماً خلال الأشهر الأخيرة.
استنفاد الدور
وإلى ذلك، قال عضو المجلس الأعلى للدولة أحمد اهمومة في تصريحات لـ«العين الإخبارية»، إن المخرجات السابقة للجنة لاقت نقداً شديداً من معظم الأعضاء، مما استدعى حلها، لأن مخرجاتها لم تكن في مستوى طموح الليبيين.
واشترطت هذه المخرجات أن تتزامن الانتخابات البرلمانية والرئاسية وإذا فشلت «الرئاسية» لا يعتد بالانتخابات البرلمانية حتى وإن نجحت.
وأوضح عضو الأعلى للدولة، أن المجلس حل هذه اللجنة مسبقا، بعد أن قدمت تقريرها النهائي «متضمناً القوانين الانتخابية المعيبة التي لا تصدر عن أعضاء وضعت الناس ثقتها فيهم، وبالتالي لم يتم التصويت على هذه القوانين تحت قبة المجلس الأعلى للدولة».
وأشار اهمومة إلى أن من بين النقاط المثيرة للجدل في مخرجات اللجنة السماح لليبيين الحاملين لجنسية أجنبية بالترشح للرئاسة على أن يتنازلوا عن الجنسية الأخرى بعد الفوز، قائلا: «هذه الأشياء الغريبة التي لم أرَ مثلها في أي قانون انتخابي كانت كفيلة بأن تنسف هذا المنتج الغريب وبالتالي نسفت اللجنة برمتها».
وأوضح عضو مجلس الدولة، أنه صار لزاماً على مجلس الدولة أن ينخرط في الحوارات التي تشرف عليها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، لذلك كلف مكتب رئاسة المجلس الأعلى للدولة بإعادة تشكيل لجنة 6 الخاصة بالقوانين الانتخابية.
تعكس تصريحات اهمومة حجم الاعتراض داخل المجلس الأعلى للدولة على مخرجات اللجنة السابقة، كما تكشف استمرار الخلافات الجوهرية التي حالت دون التوافق على قاعدة انتخابية جامعة.
عودة تحت الضغط
بدوره، رأى الكاتب والباحث الليبي إدريس احميد في تصريحات لـ«العين الإخبارية»، أن عودة لجنة «6+6» تأتي في ظل تصاعد الضغوط الأممية والدولية الرامية إلى الدفع نحو إنجاز القوانين الانتخابية، بالتزامن مع قرب الإعلان عن مخرجات الحوار المهيكل الذي ترعاه البعثة الأممية.
وأوضح احميد أن مجلسي النواب والدولة يحاولان العودة إلى واجهة المشهد السياسي في ظل الحراك الدولي والمبادرة الأمريكية المطروحة بشأن الأزمة الليبية.
وأضاف أن التساؤل لا يزال مطروحاً بشأن ما إذا كان أي اتفاق قد يتوصل إليه المجلسان سيدخل ضمن إطار المبادرة الأمريكية ومسار الأمم المتحدة أم أنه سيكون مساراً منفصلاً يصعب البناء عليه أو الاستفادة منه ضمن الترتيبات الدولية الحالية.
ويرى الباحث الليبي أن نجاح أي جهد جديد يبقى مرهوناً بقدرة الأطراف السياسية على تجاوز الخلافات المتعلقة بالقوانين الانتخابية وشروط الترشح وآليات تنفيذ الانتخابات، إلى جانب توافر إرادة سياسية حقيقية لإنهاء الانقسام وفتح الطريق أمام مرحلة أكثر استقرارا.
رهان على المبادرة الأمريكية
بدوره، قال الباحث الليبي محمد الترهوني في تصريحات لـ«العين الإخبارية»، إن استئناف اجتماعات لجنة "6+6" يواجه بانعدام ثقة من كثيرين في الشارع الليبي والمبعوث الأممي واللجان المنبثقة عن الحوارات السياسية.
ورجح الترهوني أن تكون المبادرة الأمريكية الأوفر حظاً خلال المرحلة المقبلة، خاصة بعد النتائج التي حققتها في ملفات عدة؛ بينها توحيد الصرف بين الشرق والغرب، والتقريب بين القيادات العسكرية في المنطقتين الشرقية والغربية.
ويعكس هذا الطرح اتجاهاً متنامياً داخل الأوساط السياسية الليبية يرى أن فرص النجاح أصبحت مرتبطة بالمسارات الدولية الجديدة أكثر من ارتباطها بالأجسام السياسية التقليدية التي أخفقت مراراً في تجاوز خلافاتها
إرباك للمشهد أم منافسة للمسارات البديلة؟
أما أستاذ العلوم السياسية الدكتور يوسف الفارسي فيعتقد أن توقيت عودة اللجنة يثير كثيراً من التساؤلات حول أهدافها الحقيقية.
وقال في تصريحات لـ«العين الإخبارية»، إن عودة الاجتماعات قد تكون محاولة لقطع الطريق على الطاولة المصغرة بعد التقدم الذي حققته لجنة "4+4" خلال اجتماعاتها في تونس والتي تضم ممثلين عن الشرق والغرب.
وأضاف الفارسي، أن حسم الملف الانتخابي يبدو أقرب عبر هذه المسارات الجديدة مقارنة بلجنة "6+6" التي ظلت لفترة طويلة عاجزة عن تحقيق اختراق حقيقي.
ووفق الفارسي، فإن عودة لجنة 6+6 في الوقت الراهن بعد فترة كبيرة من الجمود، وفشلها في تحقيق أي نتائج إيجابية في كل الملفات، يمكن تفسيرها بالقلق من النتائج التي تحققها الطاولة المصغرة والتي تعني إنجاز الانتخابات البرلمانية والرئاسية.
واختتم بالقول: تحاول لجنة 6+6 إرباك المشهد وليس الوصول إلى حل، لأن اللجنة أخذت فرصتها كاملة في وقت سابق ولم تحقق أي شيء.
خلافات
وكانت اللجنة اصطدمت مخرجاتها بخلافات جوهرية حول عدد من المواد الأساسية، وعلى رأسها شروط الترشح للانتخابات الرئاسية، ففي حين تمسك المجلس الأعلى للدولة برفض ترشح العسكريين أصر مجلس النواب على رفض ترشح مزدوجي الجنسية، ما قد يؤدي عملياً إلى استبعاد شخصيات بارزة من المشهد السياسي الليبي شرقاً وغرباً.
وأدى هذا التباين إلى تعثر التوافقات ودخول المسار الانتخابي في حالة من الجمود، اعتبرها مراقبون انعكاساً لرغبة بعض الأطراف السياسية في الحفاظ على الوضع القائم بما يضمن استمرار الأجسام الحالية في مواقعها ويؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بدلاً من حلها.
ومع استمرار الانسداد السياسي اتجه الفاعلون الدوليون إلى البحث عن مسارات بديلة، فبرزت المبادرة الأمريكية التي تستهدف تقريب وجهات النظر بين مراكز القوى الليبية المختلفة تمهيداً للتوافق على قاعدة سياسية وقانونية للانتخابات.
وفي الوقت نفسه دفعت الأمم المتحدة نحو ترتيبات جديدة من بينها لجنة "4+4" التي تعمل على بلورة تفاهمات بشأن القوانين الانتخابية، تمهيداً للوصول إلى انتخابات تفضي إلى سلطة موحدة جديدة بعيداً عن حالة الاستقطاب المزمنة التي تسيطر على المشهد منذ عام 2014.