أزمة ليبيا في حسابات القوى الدولية.. من يملك مفاتيح الحل؟ (خاص)
تسارعت التحركات الدولية في الملف الليبي خلال الأسابيع الأخيرة، إثر محاولات متوازية لإعادة تنشيط مسار التسوية السياسية.
وبين المسار الأممي الذي تقوده مبعوثة المنظمة الدولية هانا تيتيه بدعم أوروبي واسع، والتحركات الأمريكية التي يقودها مسعد بولس، يبرز جدل متصاعد حول ما إذا كانت هذه المبادرات تستهدف بناء دولة ليبية موحدة أم تسعى لإدارة التوازنات القائمة وإعادة توزيع النفوذ بين القوى المحلية والإقليمية.
ويرى مراقبون، أن المشهد الليبي أصبح جزءاً من شبكة أوسع من الحسابات الدولية المرتبطة بالتنافس الجيوسياسي في منطقة المتوسط وشمال أفريقيا، ما يجعل أي تسوية سياسية رهينة لتقاطع المصالح الخارجية أكثر من ارتباطها بالاحتياجات الداخلية الليبية.
إرادة بناء الدولة
وفي قراءة للمشهد الراهن، يرى الأكاديمي الليبي وأستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية الدكتور عبد الوهاب محمد الحار، أن الملامح الجديدة التي تُبرزها واشنطن في تعاملها مع الملف الليبي توحي بوجود تغييرات على المستوى العملي، لكنها في جوهرها تكرس تشخيصاً للأزمة يختزل البلاد بين طرفي السلطة في الشرق والغرب.
وأضاف الحار في حديث لـ"العين الإخبارية"، أن "العديد من الدول باتت تتماهى مع الواقع الليبي القائم، ولا ترغب في إحداث تغييرات جذرية فيه"، مؤكداً أن "القوى الخارجية لا تبدو معنية بوجود دولة ليبية قوية تمتلك مقومات السيادة الكاملة".
وبناء على ذلك، فإن مساعي مسعد بولس لتجميع الفرقاء "لا تنظر فعلياً إلى جوهر المشكلة المتمثل في التشظي والانقسام، بل تبدو أقرب إلى محاولة لإعادة توزيع السلطة"، وفق أستاذ العلوم السياسية الليبي.
أولويات أمريكية
ويستبعد الحار أن "تدفع الولايات المتحدة خلال المدى القريب نحو تشكيل حكومة مركزية موحدة، معتبراً أن طبيعة التحركات الحالية لا تشير إلى توجه من هذا النوع".
وأوضح أن "التحركات الأمريكية الراهنة لا تنبع من رغبة حقيقية في تحقيق الاستقرار الداخلي بقدر ما تعكس طبيعة الصراع الدولي على الساحة الليبية".
ويأتي السعي إلى الضغط على الوجود الروسي في ليبيا وتحجيمه في مقدمة أولويات الإدارة الأمريكية، وفقاً للحار، في وقت تعاني فيه البوصلة الاستراتيجية لواشنطن من ارتباك واضح نتيجة انشغالها بملفات دولية أكثر تعقيداً مثل التنافس مع الصين والمواجهة مع إيران..
وفي هذا السياق، يرى أن الأزمة الليبية "ليست من بين الملفات الأكثر أولوية لدى واشنطن، بل تمثل أحد المسارات الفرعية المرتبطة بإعادة ترتيب توازنات المنطقة، وهو ما يفسر غياب الاهتمام الجاد بتسوية شاملة للأزمة رغم امتلاك الولايات المتحدة أدوات ضغط ومفاتيح يمكن أن تسهم في دفع الحل السياسي".
وأضاف أن مسعد بولس يسعى إلى "توظيف المشهد الليبي بما يحقق مصالح الولايات المتحدة"، لكنه لا يتوقع وجود جدية أمريكية كبيرة في المدى المنظور تجاه تسوية الأزمة بشكل نهائي.
مصالح متشابكة
وعلى الصعيدين الداخلي والإقليمي، يشير الحار إلى أن "الخصوم السياسيين في ليبيا يتحركون في كثير من الأحيان ضمن أجندات دولية متضاربة، بينما تبحث واشنطن عن النتائج دون التطرق إلى الأسباب العميقة للأزمة أو العمل على تحييد التدخلات الإقليمية المؤثرة فيها".
وأضاف أن هناك قناعة متزايدة بأن عدداً من القوى الدولية المستفيدة من استمرار الانقسام القائم لا تبدي استعجالاً لإنهاء الأزمة، في ظل ما توفره حالة "ثنائية السلطة" من فرص لتعزيز النفوذ وتحقيق المصالح.
ويعتقد أن "قيام حكومة ليبية منتخبة وموحدة سيعني ظهور نهج سياسي مختلف عن ذلك الذي يحكم طرفي السلطة الحاليين وهو ما يفسر استمرار الأزمة وتجددها على مدى نحو 15 عاماً".
ما بعد الدولة الوطنية
وفي قراءة استشرافية للمواقف الغربية، أشار الحار إلى أن بعض مراكز الأبحاث والدوائر الاستراتيجية الأوروبية والأمريكية بدأت تطرح تصورات تقوم على التكيف مع واقع الكيانات الهشة أو ما بعد الدولة الوطنية، معتبراً أن هذا الطرح بات حاضراً في عدد من النقاشات الدولية.
وأوضح أن "بعض هذه التصورات تنطلق من فكرة أن التعامل مع كيانات ضعيفة أو مفككة قد يكون أسهل من التعامل مع دول مركزية قوية تتمتع بسيادة كاملة وهو ما يجعل الحديث عن مفهوم السيادة الوطنية التقليدية يواجه تحديات متزايدة في البيئة الدولية الراهنة".
ورغم الزخم الدولي المتزايد، يخلص الحار إلى أن الرهان على المبادرات الخارجية يظل محدود الجدوى، وأن أي حل مستدام للأزمة الليبية لن يتحقق إلا بإرادة ليبية داخلية تدرك حجم التحديات التي تهدد جغرافية البلاد وديمغرافيتها وأمنها القومي، وتضع حداً لاستمرار الانقسام والتدخلات الخارجية التي أثقلت كاهل الدولة الليبية على مدى سنوات.
حزمة أزمات متكاملة
بدوره، قال المستشار أنور ياسين المنفي، الخبير السياسي والقانوني الليبي، إن ما تشهده ليبيا اليوم، "لا يمكن قراءته باعتباره سلسلة أزمات منفصلة أو أحداثاً عابرة، بل هو في جوهره حزمة أزمات متكاملة تكشف، عن طبيعة أعمق للصراع وآليات إدارته".
وأوضح المنفي في حديث لـ"العين الإخبارية"، أن الفترة الممتدة خلال شهري أبريل/نيسان ومايو/أيار الماضيين، شهدت تزامناً لافتاً في الضغوط والتحركات الدولية، بدءاً من مبادرة بولس والحوار المهيكل، مروراً بتحذيرات صندوق النقد الدولي، وصولاً إلى أزمات الوقود وتفاقم الوضع الإنساني في الجنوب، وملف الهجرة غير الشرعية، وهو ما يجعلها أقرب إلى منظومة ضغط واحدة تعمل بإيقاع متناسق أكثر من كونها ملفات متفرقة.
وأشار المنفي إلى أن هذه الحزمة من الضغط الدولي، وفق قراءته، مثّلت اختباراً عملياً لقدرة المؤسسات الليبية على الصمود، غير أن هذه المؤسسات – كما يقول – أظهرت محدودية واضحة في الأداء، نتيجة استمرار الانقسام وتداخل الصلاحيات وغياب أدوات سيادية فاعلة، وهو ما عمّق حالة العجز بدل أن يخففها.
وأضاف المنفي أن الأخطر في هذا المشهد، من وجهة نظره، أن "الجهة القادرة على ضبط إيقاع هذه الضغوط الدولية هي ذاتها التي تدرك مكامن الضعف داخل الدولة، وتمتلك في الوقت نفسه القدرة على تخفيفها أو إعادة توجيهها، وهو ما يقود إلى استنتاج مفاده أن مفتاح الحل موجود في يد من يدير تعقيدات الأزمة من الخارج أكثر من كونه في يد الأطراف المحلية وحدها".
مسار جديد؟
وفي هذا السياق، لفت إلى أن مسار الأحداث بدأ يفرز، بشكل غير معلن، أسماء وشخصيات تحظى بدرجات متفاوتة من القبول المحلي والدولي لقيادة المشهد وتشكيل سلطا جديدة، رغم أنها لم تُطرح رسمياً بعد، لكنها، بحسب تعبيره، باتت حاضرة في النقاشات الجادة حول مستقبل الحكم في البلاد.
واعتبر المنفي، أن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب هذه الشخصيات عن المشهد بل في غياب آلية التمكين القادرة على إيصالها إلى مواقع القرار سواء عبر حكومة كفاءات انتقالية، أو إعادة هيكلة السلطة التنفيذية أو الذهاب إلى مسار تأسيسي جديد يعيد صياغة العقد السياسي في ليبيا.