المصالحة في ليبيا.. القطار الأممي يصل إلى محطة متقدمة
قطار المصالحة في ليبيا يصل إلى مرحلة متقدمة مع اختتام أعمال الجلسة الحضورية الرابعة للمسار ضمن «الحوار المُهيكل» المنعقد برعاية أممية.
يأتي ذلك وسط تأكيدات على ضرورة بناء مشروع وطني شامل ينهي الانقسام ويمهد للاستقرار والانتخابات.
ويهدف "الحوار المهيكل"، الذي ترعاه البعثة الأممية، إلى صياغة مقترحات لمعالجة ملفات الحوكمة والأمن والاقتصاد والمصالحة الوطنية، إلى جانب وضع رؤية موحدة لمرحلة ما بعد الانقسام، تمهيدًا لإجراء انتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة.
وبحسب البعثة الأممية في ليبيا، ركزت جلسات الحوار، التي استمرت أربعة أيام، على مراجعة مشاريع ومبادرات المصالحة الوطنية والمحلية، إلى جانب مناقشة قضايا النزوح الداخلي، والانتهاكات الحقوقية، والمفقودين.
كما شملت المناقشات أيضا التمييز ضد المكونات الثقافية واللغوية، والاختفاء القسري، في محاولة لوضع أسس عملية لمصالحة قائمة على العدالة وحقوق الإنسان.
وفي تصريح لـ"العين الإخبارية"، تقول أماني العقوري، عضو الحوار المهيكل بمسار المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، إن جلسة الحوار الأخيرة خُصصت بالكامل لملف المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، باعتباره أحد أبرز المسارات الضرورية لإنهاء الانقسام السياسي والاجتماعي في ليبيا، وبناء أرضية مشتركة تفضي إلى الاستقرار الدائم وإجراء الانتخابات الوطنية.
وأضافت العقوري أن أعضاء الحوار شددوا على أهمية اعتماد ميثاق وطني ليبي بملكية ليبية، يعنى بالمصالحة والعدالة الشاملة بين الليبيين، ويؤسس لرؤية وطنية جامعة تقوم على مبادئ التوافق والإنصاف وعدم الإقصاء.
وأكدت أن هذا الميثاق يجب أن يشارك في صياغته وتمثيله مختلف مكونات المجتمع الليبي.
وأوضحت العقوري أن النقاشات ركزت أيضاً على ضرورة إشراك جميع الفئات الاجتماعية في مسار المصالحة، بما في ذلك المرأة والأشخاص ذوو الإعاقة والمكونات الثقافية والشباب ومؤسسات المجتمع المدني، لضمان أن يكون مشروع المصالحة شاملاً ومعبرًا عن مختلف الأطياف الليبية دون استثناء.
كما لفتت إلى أن المشاركين شددوا كذلك على ضرورة بناء المصالحة على ثوابت وطنية ومبادئ حاكمة تعزز قيم المواطنة والعدالة وسيادة القانون، وتدعم اللحمة الوطنية بعد سنوات من الصراع والانقسام.
وبالنسبة لها، فإن العدالة الانتقالية تمثل ركيزة أساسية لأي تسوية وطنية مستدامة، من خلال معالجة آثار النزاعات السابقة، وجبر الضرر، وتحقيق الإنصاف للمتضررين، بما يساهم في استعادة الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع.
واعتبرت العقوري أن نجاح مشروع المصالحة الوطنية من شأنه أن يمهد لمرحلة جديدة تكفل للشعب الليبي الأمن والاستقرار، وتفتح الطريق أمام بناء دولة موحدة قائمة على الشراكة الوطنية والتوافق بين جميع الليبيين.
ملفات النزوح والمفقودين
ووفق بيان بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ناقش المشاركون خلال الاجتماعات قضايا تتعلق بالنازحين داخلياً في بنغازي (شرق)، والمفقودين، وضحايا جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في ترهونة، إضافة إلى أوضاع المنطقة الجنوبية وقضية حاملي الأرقام الإدارية.
كما طرح ممثلون عن المناطق ذات الأغلبية الأمازيغية والتباوية (نسبة إلى التبو/ عرقية) ملف الحقوق الثقافية واللغوية، مطالبين بوضع توصيات واضحة لأي سلطة تنفيذية جديدة لمعالجة السياسات التمييزية ضد هذه المكونات.
وشهدت الجلسات نقاشاً واسعاً بشأن أفضل السبل لإطلاق عملية المصالحة، وما إذا كان البدء بميثاق سلام وطني شامل هو الخيار الأنسب، أم أن الانطلاق من مبادرات محلية تدريجية أكثر واقعية في ظل الانقسامات القائمة.
وخلص غالبية المشاركين، وفق البيان الأممي، إلى أن المقاربة التصاعدية التي تبدأ بمبادرات محلية وتضمن انخراط المجتمعات المحلية قد تكون أكثر فاعلية، خاصة في ظل تعقيدات الصراع السياسي وتعدد الأجندات المتنافسة.
تحديات الانقسام والتدخلات
واتفق المشاركون على أن أحد أبرز التحديات التي تواجه مسار المصالحة يتمثل في استمرار الانقسام السياسي ووجود مؤسسات موازية، إلى جانب تأثير الاستقطاب السياسي والتدخلات الخارجية على جهود التسوية الوطنية.
كما شددوا على ضرورة ضمان مشاركة النساء في عمليات صنع القرار، ليس فقط بوصفهن ممثلات للضحايا، بل كشريكات فاعلات في بناء السلام وتحقيق الاستقرار المستدام.
ومن المنتظر أن تُنشر التوصيات النهائية لمسار المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان عقب انعقاد الجلسة العامة للحوار المُهيكل المقررة في السابع من يونيو/حزيران المقبل، وسط ترقب لما قد تحمله من تصورات جديدة لدفع العملية السياسية في ليبيا نحو تسوية شاملة.