بريطانيا تنتظر سابع رئيس للوزراء.. عقد من الاضطراب السياسي
بينما تستعد المملكة المتحدة لاستقبال رئيس وزرائها السابع خلال عشر سنوات فقط، يبرز اسم واحد باعتباره العنصر الأكثر ثباتاً في المشهد السياسي البريطاني: القط "لاري"، كبير صائدي الفئران في مقر رئاسة الوزراء البريطاني.
فمنذ وصوله إلى داونينغ ستريت عام 2011، بقي لاري شاهداً على تعاقب الحكومات والأزمات والاستقالات، في وقت تحولت فيه رئاسة الوزراء إلى أحد أكثر المناصب تقلباً في الديمقراطيات الغربية، وفقا لصحيفة التايمز البريطانية.
ومع إعلان كير ستارمر تنحيه عن زعامة حزب العمال، تنضم حقبة جديدة إلى سلسلة التحولات السياسية التي بدأت منذ استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016، وهو الاستفتاء الذي غيّر مسار البلاد وأعاد رسم خريطة السلطة في لندن لعقد كامل.
ديفيد كاميرون.. المقامرة التي غيرت التاريخ
بدأت دوامة التغيير السياسي مع ديفيد كاميرون، الذي دعا إلى استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي "البريكست" بهدف احتواء الانقسامات داخل حزب المحافظين. لكن الرهان انقلب عليه عندما صوت البريطانيون لصالح المغادرة بنسبة 52 % مقابل 48 %.
كان كاميرون يأمل أن يُذكر بوصفه الرجل الذي جدد حزب المحافظين وأقر إصلاحات اجتماعية بارزة، إلا أن التاريخ ربط اسمه بشكل دائم باستفتاء بريكست. وفي صباح إعلان النتائج، قدم استقالته منهياً واحدة من أكثر الفترات تأثيراً في السياسة البريطانية الحديثة.
تيريزا ماي.. مهمة مستحيلة لتنفيذ بريكست

ورثت تيريزا ماي بلداً اختار مغادرة الاتحاد الأوروبي دون أن يمتلك تصوراً واضحاً لكيفية تنفيذ ذلك القرار، وتمسكت بشعارها الشهير "الخروج يعني الخروج"، لكنها وجدت نفسها عالقة بين مؤيدي الانفصال المتشددين وأنصار العلاقة الوثيقة مع أوروبا.
ومع فقدانها الأغلبية البرلمانية بعد انتخابات 2017، بدأت سلطتها في التراجع تدريجياً حتى انتهت رئاستها للحكومة عام 2019، بعدما أصبحت عاجزة عن تمرير اتفاق يرضي الأطراف المتصارعة داخل البرلمان وخارجه.
بوريس جونسون.. الشعبوية والانتصار ثم السقوط

وصل بوريس جونسون إلى السلطة حاملاً وعداً بسيطاً ومباشراً: "إنجاز بريكست". ونجح بالفعل في تحويل هذا الشعار إلى فوز انتخابي كاسح عام 2019، مستفيداً من شخصيته الكاريزمية وقدرته على مخاطبة شرائح واسعة من الناخبين.
لكن سنوات حكمه شهدت أيضاً أزمات متلاحقة، كان أبرزها التعامل المثير للجدل مع جائحة كورونا وفضيحة "بارتي غيت"، التي كشفت عن إقامة حفلات داخل مقر الحكومة خلال فترات الإغلاق العام.
ورغم قدرته المتكررة على النجاة من الأزمات، انتهى الأمر باستقالته في عام 2022 بعد تراجع الثقة السياسية داخل حزبه.
ليز تراس وريشي سوناك.. الفوضى ثم إدارة الأزمة
لم تستمر ليز تراس في الحكم سوى 49 يوماً، لتسجل أقصر ولاية لرئيس وزراء في التاريخ البريطاني الحديث. فقد أثارت خطتها الاقتصادية القائمة على تخفيضات ضريبية غير ممولة اضطراباً واسعاً في الأسواق المالية، ما أدى إلى انهيار الثقة بحكومتها وسقوطها السريع.
وجاء بعدها ريشي سوناك في محاولة لاستعادة الاستقرار. ونجح بالفعل في تهدئة الأسواق وإعادة الانضباط إلى الإدارة الحكومية، لكنه لم يتمكن من تغيير المزاج العام الذي بدا منهكاً بعد 14 عاماً من حكم المحافظين، لينتهي الأمر بخسارة الحزب السلطة في انتخابات 2024.
كير ستارمر.. انتصار كبير لم يدم طويلاً
وصل كير ستارمر إلى الحكم بعد تحقيق حزب العمال فوزاً ساحقاً أنهى سنوات حكم المحافظين. ونجح في إعادة بناء الحزب بعد أزماته الداخلية وتراجع شعبيته في انتخابات 2019.
غير أن هذا الانتصار أخفى نقاط ضعف مهمة، أبرزها أن الحزب لم يحصل إلا على نحو ثلث الأصوات الشعبية. ومع استمرار التحديات الاقتصادية وصعود حزب الإصلاح البريطاني بقيادة نايجل فاراج، بدأت شعبية الحكومة بالتراجع سريعاً، قبل أن يعلن ستارمر تنحيه، ليصبح سادس رئيس وزراء يغادر داونينج ستريت منذ استفتاء بريكست.
لاري القط.. الشاهد الوحيد على عقد من الزلازل السياسية

وسط هذا المشهد المتقلب، بقي القط لاري الشخصية الأكثر استقراراً داخل مقر رئاسة الوزراء. فمنذ تعيينه رسمياً كبيراً لصائدي الفئران عام 2011، عايش خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وجائحة كورونا، والانقسامات الحزبية، والأزمات الاقتصادية، وتعاقب ستة رؤساء وزراء.
وربما تختصر قصة لاري واقع السياسة البريطانية خلال العقد الماضي أكثر من أي تحليل سياسي؛ ففي وقت تبدلت فيه الحكومات والقيادات بوتيرة غير مسبوقة، ظل القط المقيم في داونينج ستريت الشاهد الوحيد على مرحلة اتسمت بعدم الاستقرار وإعادة تشكيل الحياة السياسية البريطانية.
ومع اقتراب وصول رئيس الوزراء السابع خلال عشر سنوات، تبدو بريطانيا وكأنها لا تزال تبحث عن صيغة جديدة للاستقرار بعد عقد كامل من التداعيات السياسية التي أطلقها استفتاء بريكست، فيما يواصل لاري مراقبة المشهد من عتبة المقر الأشهر في البلاد، منتظراً اسماً جديداً يضاف إلى قائمة طويلة من الزعماء العابرين.