الوجه الآخر للفنان عبدالعزيز مخيون.. قصة عشق «الكمان» التي سبقت التمثيل
أسدل الستار اليوم على حياة واحدٍ من أبرز وجوه الفن المصري الذين صاغوا بملامحهم وأدائهم تاريخ الدراما العربية، الفنان الكبير عبدالعزيز مخيون.
رحل 'صاحب الأداء الرصين' الذي لم يكتفِ بكونه ممثلاً بارعاً، بل كان عازفاً مرهف الحس ومثقفاً استثنائياً، ليطوي برحيله فصلاً من العطاء الفني المتجدد، تاركاً خلفه فراغاً كبيراً في قلوب محبيه وزملائه الذين طالما رأوا فيه رمزاً للالتزام والرقي الفني."
يُعرف عبد العزيز مخيون في الأوساط الفنية بـ "فيلسوف التمثيل" و"صاحب الأداء العميق"، لكن خلف هذا القناع الدرامي يكمن وجه آخر تماماً؛ وجه موسيقي مرهف، وقصة عشق طويلة مع آلة الكمان بدأت قبل أن تطأ قدماه معاهد التمثيل أو يواجه كاميرات السينما. إن هذا الجانب الموسيقي ليس مجرد هواية جانبية، بل هو الأساس الذي شُيدت عليه شخصيته الفنية المنضبطة، حيث كان "الكمان" هو رفيقه الأول في رحلة البحث عن الجمال والإيقاع.
الكمان.. رفيق البدايات الأولى
قبل أن يمتلئ سجل مخيون بالأدوار الدرامية المركبة، كانت أصابعه تعزف ألحان التميز على أوتار الكمان في مسقط رأسه بمحافظة البحيرة. لم يكن تعلمه للموسيقى عشوائياً، بل كان نتاج شغف حقيقي بالأنغام الشرقية والكلاسيكية. كان يرى في آلة الكمان وسيلة للتعبير عن مكنونات نفسه التي لم تكن الكلمات تكفي لتجسيدها في سنواته الأولى. تلك الفترة التكوينية التي قضاها مع الآلة منحته "أذناً موسيقية" دقيقة، جعلته فيما بعد يمتلك إيقاعاً خاصاً في إلقاء الحوار وتجسيد انفعالات الشخصيات؛ فالممثل الذي يعزف الموسيقى يتعامل مع النص وكأنه "نوتة" يجب قراءتها بإحساس وتركيز عالٍ.

السر خلف الأداء التمثيلي
إن المتأمل في مسيرة مخيون يجد تقارباً مذهلاً بين عزفه للموسيقى وأدائه للتمثيل؛ كلاهما يعتمد على "الدقة" و"الالتزام". الموسيقى علمت مخيون الانضباط، والقدرة على التحكم في "التيمبو" أو سرعة الأداء، وهو ما يظهر جلياً في قدرته على التحكم في نبرات صوته وتدرج انفعالاته. عندما يعزف مخيون على الكمان، فإنه يعيش حالة من التركيز المطلق التي لا تقبل الخطأ، وهذا النوع من الانضباط هو ما نقله إلى استوديوهات التصوير. لم يكن الممثل يوماً مجرد مؤدٍ للنصوص، بل كان موسيقياً يحلل الإيقاع الدرامي لكل مشهد، مما يفسر سبب نجاحه في تقديم الشخصيات التي تتطلب عمقاً نفسياً وثباتاً انفعالياً.

ملاذ الهدوء بعيداً عن ضجيج الحياة
في فترات الأزمات الشخصية، وبالأخص خلال السنوات التي خاض فيها صراعات قضائية مرهقة، كان "الكمان" هو المكان الآمن الذي يهرب إليه مخيون. الموسيقى كانت وسيلته للتطهر من ضغوط الواقع، ومن "أشباح" القضايا والمواقف الصعبة التي اضطر لمواجهتها. في منزله، حين يتوقف التصوير وتغلق الملفات القضائية، كان مخيون يعود إلى آلته ليجد فيها الهدوء الذي يفتقده. إن هذا التواصل الحميم مع الموسيقى يوضح جانباً إنسانياً يجهله الكثير من جمهوره؛ فالفنان الذي واجه الغدر في حياته الشخصية بصلابة القانون، كان يواجه قبح الواقع بجمال الأنغام، مؤكداً أن الموسيقى تظل دائماً هي القادرة على جبر انكسارات الروح.

الموسيقى في الشخصية الفنية
رحل اليوم عبد العزيز مخيون، ليس فقط كقامة تمثيلية شاهقة، بل كفنانٍ شاملٍ نبضت روحه بالموسيقى بقدر ما نبضت بالدراما. لقد كان مخيون نموذجاً للفنان الذي لا ينفصل إبداعه عن هويته؛ فلطالما كان عشقه للكمان رفيقه الدائم، ذلك الرفيق الذي لم يغادر وجدانه حين انتقل إلى أضواء التمثيل، بل تحول إلى 'خلفية موسيقية' خفية تمنح حركته على المسرح وتعبيرات وجهه أمام الكاميرا إيقاعاً متفرداً لا يملكه إلا المبدعون.
لقد عاش مخيون حياته شاهداً على أن الفن عندما يتجذر في النفس منذ الصغر، يصقل الإنسان ويحميه من التبعثر. واليوم، وبينما نودعه، تبقى تلك الصورة الموسيقية التي رسمها في حياته هي الحقيقة الأجمل؛ فنانٌ استطاع ببراعة أن يترجم آلامه وأفراحه إلى ألحانٍ تارة، وإلى أدوارٍ خالدة تارة أخرى. نودع اليوم العازف الذي لم ينهد عزفه، والمبدع الذي ظل قوياً لا ينحني، تاركاً إرثاً يمزج بين رقة الأوتار وعمق الفكر، ليظل صدى موسيقاه وفنه يتردد في ذاكرتنا كأجمل رثاءٍ لرحيل رجلٍ استثنائي."